الأحد، ديسمبر 07، 2008

كآبةٌ رومانيّة!

الثلاثاء 11 كانون الثّاني 2005
.
هذا هو يومُ المخاضِ والولادة... لا أعلمُ إن كنتُ سأنجبُ قرداً أم خنزيراً أم غزالا!!!
.
جلستُ إلى طاولتي وحملتُ يدي بحملِها، أسايرُ نفسيَ وجسدي بما تبقّى لهما من ميلٍ إلى الجلوسِ والكتابة، إلى المطالعة والغرف بملعقة العقل وما يعلقُ بها من شجونِ الكتبِ والأوراق! لا أعلمُ في الحقيقة ما الذي جمعَ طاولتي والنّافذة اليتيمة في غرفتي الصّغيرة، لأطلّ منها كلّ ما عنَّ لي ذلك، فأجد أشجاراً خريفيّة تخلعُ عنها أرديتها، تحيطُ بي وبغرفتي اللعينة بكآبتها وحزنها، دون ثمرٍ أو ورقٍ، لتحيلَ عالمي إلى خريف من الكآبة لا ينتهي.
.
يُسائلني الأصدقاءُ: وأينَ الرّوح منك؟ أجيبهم وفي صوتي غصّة من جواب: لم يتبقَّ لي منها شيءٌ! يقولون: وأينَ إيمانُك؟ وعلامَ إذاً وجودك في مثل هذا الوجود؟ أجيبُ: ليست الكآبةُ والآلام سوى ركنين من أركان مركبي طافَ بهما إيماني ولم يعدْ. فأمّا الوجودُ فهو ثيابُ الملك التي ألبسنيها الربُّ الإله، وهل من المعقولِ أن يرفضَ شقيٌّ مثلي تقدمةَ الملوك؟! ولو فعلتُ لكنتُ جاحداً فوقَ جحودي الأليم.
.
لا تسألوني أيّها الرّفاق فما عندي صوتٌ يجيب ولا حيلٌ يردُّ على الأقوال... وإن زدتُ في الكلام حسبتُ نفسي فريسيّاً مراءٍ لا يفقه إلا في أقوالِ الكتبة، ولا يتبعُ من الخطى إلا آثارَ الصدّوقيّين، قريباً من تثعلبِ هيرودسَ، بعيداً عن الزّانية ولصّ اليمين!

الخميس، ديسمبر 04، 2008

خمسة أيّام في العراق تحت الحرب (1/1)

كانت البداية عندما كنّا مدعوّين إلى العشاءِ في منزلِ أختي مع قريبٍ لنا من العراق يُدعى أبا بشّار. بعدَ الطّعام وفي جلسةٍ حول القهوة التركيّة حدّثنا أبو بشّار وقال إنَّ عليه العودة يومَ السّبتِ القادم إلى العراق لأشغالٍ مستعجلة، ولن يمكثَ هناك طويلاً بل سيعود إلى عائلته التي اكترتْ منزلاً في بلدتنا، وأكملَ مازحاً يسأل: من يودّ مرافقتي؟! كسرتُ الصّمتَ الذي سادَ لثوانٍ وقلتُ: ها أنذا! سآتي معكَ فمنذ زمنٍ بعيد وأنا أشتهيَ رؤيةَ العراق أرض الحضارة البائدة. علتِ الأصواتُ تندّد بي وبهذا القرار، وغضبَ والداي ونعتني الجميعُ بالجنون، ووقفتْ أختي التي تصغرني بعام في وسط الصّالة بذهول وخوفٍ وقالت: ماما لا تتركيه يذهب! وفي ذلك الضوضاء الذي استمرَّ يحيط بي من كلِّ جانب جلسَ أبو بشّار صامتاً شاعراً بالنّدم على مثل هذه الدّعوة إلى بلدٍ سقطتْ عاصمته قبل مدّةٍ يسيرة والحربُ تعملُ فيه على قدمٍ وساق! بينما رحتُ أنا أبتسمُ هازئاً بالمخاوفِ مترقّباً مغامرةً من نوعٍ فريد لا تصحّ لكلِّ راغبٍ أو مريد. كانت والدتي أكثرَ الذين أعادوا على مسمعي النهيَ، وحاولتْ مراراً وتكراراً طوالَ الأيّام التي تلتْ ذاكَ المساء أن تثنيَني عن عزمي دون فائدةٍ تذكر، فقد منحني اللهُ رأساً عنيداً عنادَ البغلِ وقلباً شجاعاً كالأسدِ حرماني العودة عن أيّ قرار!
.
السّبت 12 حزيران 2004 (اليومُ الأوّل)
وفي هذا اليوم أفقتُ مبكّراً مع ديوك الفجرِ مفعماً بالحماسةِ والترقّب لرحلةٍ جديدة أقضيها في بلدٍ وعالمٍ جديد تحت وقع حربٍ لا تعرفُ الرحمةَ والرأفة بل الموت الذي نشرته في كلِّ مكان. وصلَ أبو بشّار بسيّارة ألمانيّة الصّنع من نوع الأوبل لعام 2000. كانت السيّارة صغيرة إلا أنّها كانت متينةً بما فيه الكفاية للقيامِ بمثل هذه الرّحلة الطويلة. كنتُ مستعداً فانطلقنا مباشرةً دون تأخير ومررنا في طريقِنا داخل البلدة بإحدى العائلات العراقيّة المهاجرة التي سألته منذ أيّام أن يقلّهم معه إلى الموصل. عندَ الباب وقفتْ امرأةٌ في الخمسينات من العمرِ بثيابِ النّوم، ودارَ بينها وبين أبي بشّار حديثٌ انتهى بمغادرتنا دون اصطحابهم لكثرة حاجاتهم وضيق المكان.
.
في حوالي الثّامنة أخذنا الأوتوستراد نحوَ مدينة القامشلي وقبلَ بلوغِها انعطفنا إلى الشّرق باتّجاه اليعربيّة وهو الاسم العربيّ الذي أطلقتُه دولةُ البعث على "تل كوجك" حيث يقعُ المركز الحدوديّ الفاصل بين سورية والعراق. في التاسعة والنّصف نزلنا من السيّارة وراحَ كلٌّ منا لينهي معاملات العبور. عندَ رؤية جواز سفري السوريّ أرسلني ضابطُ الأختام إلى معاونِ رئيس المركز وهو من رتبة ملازم ويُدعى سِراج عبد الله، وهذا استقبلني بلطفٍ وطلبَ كأساً من الشّاي لأجلي، وأخبرني أنَّ التعليمات الصّادرة عن إدارة الهجرة والجوازات في دمشق تقتضي بعبورِ من هم فوق الأربعين سناً فقط لدواعٍ أمنيّة! سألتُه إن كانَ ثمّةَ من يستطيع مساعدتي فأرسلني مباشرةً إلى رئيس المركز وهو برتبة نقيب ويُدعى زكريّا. كانَ حاداً وفظاً ولم يقبل حتى الكلامَ في الأمرِ فخرجتُ غاضباً وهاتفتُ صديقاً لي أفاقَ من نومِه على صوتِ صراخي وهرع إلى فرع إدارة الهجرة وطلبَ من العميد مساعدتي وهذا اتّصلَ بدورِه بالنقيبِ زكريّا وبعدَ أن علّمه درساً في أصولِ الأدبِ والاحترام أوعزَ إليه أن يسيّرَ معاملتي. بعدَ قليلٍ خرجَ عنصرٌ برتبة مساعد يبحثُ عني وقامَ بيده بكلِّ شيء بناءً على أوامرِ النقيب مباشرةً. وهناك دفعتُ ستّمئة ليرة سورية ثمناً لخروجي من وطني!
.
على الحدودِ العراقيّة المدعوّة "ربيعة" أنهينا المعاملة سريعاً، ومنها عبرنا إلى أرضِ النّهرين التي ما زالَ عبقُ الآراميّة يتردّد في أجزائها، وما زالت صروح النينويين تحدّثُ بأمجادٍ غيّبتها الحروب والنزعات الجشعة! بعدَ اجتيازِ الحدودِ وقفنا لملء السيّارةِ بالوقود، وكانَ ثمنُ التنكة الواحدة، أي عشرين ليتراً، ألفَ دينارٍ ما يُعادلُ ثلثي الدولار الأميركيّ، وكانَ البائعُ طفلاً لا يتجاوز العاشرة من العمر.
كانت المنطقة التي اجتزناها تخضعُ لعشائر الشمّر العربيّة وهي ممتلئة بقطّاع الطّرق وعصابات النهب والسرقة والقتل. إلا أنَّ رئيسَ العراق المُقبل على استلامِ الحُكم وهو من عائلة الياور ينتمي إلى أحد الأفخاذ الشمريّة، ولهذا فرضَ على بني قومِه حماية المنطقة إكراماً لانتماء رئيس العراق الجديد!
.
عندَ اقترابِنا من السكّة الحديديّة كنتُ وأبو بشّار في حديث شائق حول العراق ولم ينتبه إلى مفرقٍ بزاويةٍ حادّة، فلم يتمكّن من الانعطاف برغم محاولته عبثاً، فداسَ على الفرامل واستمرّت السيّارةُ في تقدّمها حتى خرجنا عن الطريق وطرنا وسقطنا من ارتفاعٍ يتجاوز المتر. الحماية الحديديّة في أسفل السيّارة درأت عنها شدّة الاصطدام وحمتنا من أيّ ضرر، فشكرنا الله المنّان على هذه النعمة. اقتربَ البعضُ يسألُ عن سلامتنا إلا أنَّ أبا بشّار أدارَ المحرّكَ وعادَ من جديد يأكل الطّريق الصّحراويّ قاصداً الموصل الحدباء.
على اليمين انتشرتْ معاملُ الإسمنتِ في منطقةٍ سهلة تبشّر باقترابِ الوصول، وعلى بعد عشرات الكيلومترات ارتفعت الجبالُ ساحقةً بأنفتها تواضعَ السّهول.
.
بلغَ النهارُ منتصفه وبلغنا نحنُ بوّابةَ الموصل أمّ الربيعَين كما سمّاها العربُ، ونواردشير أي المدينة الجديدة كما سمّاها الفرس. وأول شيءٍ استرعى انتباهي كانَ الجامعُ الموصلّي بمئذنته القصيرة وقبّته العريضة المتميّزة. ثمَّ أشارَ أبو بشّار إلى فندق الموصل الشّامخ البادي بوضوحٍ عندَ مدخلها. كنتُ أمتّعُ ناظريَّ بأرضٍ جديدةٍ وطرازٍ من العمارة جديد يتميّز بنكهةٍ خاصّة تختلفُ عن الفنّ السوريّ بجمالِ الواحةِ في قلبِ الصّحراء. أكملنا الطّريقَ وارتقينا الجسرَ فأصبحَ فندق الموصل أمامنا مباشرةً بالإضافة إلى جامعٍ بقبّة صفراء بلون الصحراء، وعلى الجانب الأيمن اضطجعَ مشفى سينا التعليميّ. وبعدَ أن عبرنا جسرَ الشّهداء النائمِ فوقَ نهر الدجلة الذي تزيّنه الجزرُ الملأى بالأشجار، وتملأُ سماءَه مروحيّات الدوريّات العسكريّة الأميركيّة، دخلنا في دغلٍ كثيفٍ يُدعى "غابات الموصل" تكثرُ فيه أشجارُ الكينا التي تبعثُ من أوراقها أريجاً خاصّاً يطهّرُ الهواءَ من كلِّ شيءٍ ما خلا الغبار الذي لا بُدَّ منه لاكتمال المشهد الصحراويّ.
.
في أثناءِ توجّهنا إلى مركزِ المدينة مررنا بجامعِ طالب العثمان، وهو مبنيٌّ بحسب النمط السّائد الذي وصفتُه قبلَ قليل: قبّة ضخمة عريضة صفراء ومئذنة قصيرة يتوّجها هلالٌ صغير. إلى يسارِنا برزتْ جامعةُ الموصل فأمّا إلى اليمين فالأسوار الأثريّة أعادتني إلى زمن الامبراطوريّة الآشوريّة وسمعتُ صوتَ جبابرة آشور يقولون لي بالآراميّة: ܒܫܝܢܐ ܘܒܫܠܡܐ ܒܐܬܪܐ ܕܐܬܘܪ أهلاً وسهلاً في أرضِ آثورَ. وفي مقابل الأسوار الأثريّة ارتفعَ سياجٌ يُحيطُ بقصرِ الرئيس السابق صدّام حسين أخفاهُ الأميركيّونَ خلفَ ترسانات إسمنتيّة مدعّمة وأسوارٍ حديديّة شائكة تتشكّل من شرائط دائريّة الشّكل. وبعدَ قليلٍ شاهدتُ مدرَّجاً قال لي عنه أبو بشّار "هنا كانَ يخطبُ عزّة إبراهيم الدوري" وهذا أصله من الموصل كان رئيساً للوزراء على عهد النظام السّابق وهو من لائحة المطلوبين الذين ما زال يبحثُ عنهم الجيش الأميركيّ. أنهينا أوصافنا ومشاهداتنا تحت صراخ معدة كلّ منا فحثثنا السّير إلى مكانٍ نسدُّ فيه ثغرات جوعنا وتعبنا.
.
في حيِّ الزّهور جلسنا في مطعم "القبطان" وطلبنا "لحم بعجين" على الطريقة الموصليّة، طلبنا ثلاثاً إحداها "بالبيض نصف استواء" أي رغيفاً من اللحم يفترشُ الطبّاخُ فوقَه بيضةً نصف مقليّة. ذهبَ أبو بشّار خلال إعداد الطعام واغتسلَ من غبارِ وتعبِ الطريقِ، بينما رحتُ أنا جالساً أغسلُ عينيَّ بمشاهدة الجوار وأتلذّذ بالمرّة الأولى التي أزورُ فيها أرضاً تنتهكها الحربُ انتهاكاً صارخاً! على لافتة المطعم كُتبت كلمتان "كاهي بورك" سألتُ أبا بشّار عنهما فأجابني "هذيك" رافعاً إصبعه مُشيراً إلى نوعٍ من المعجّنات المحلّى. كانَ الذبابُ قطعاناً يتكاثرُ علينا كأنّنا قطعةٌ من الحلوى يريدُ التهامها بأدرانه وسنانه ذكّرني بذاك القاضي العراقيّ الذي كسرَ وقارَه وهدوءَه بسبب ذبابة. كانَ الطّعامُ شهيّاً جداً مُعداً على الصّاج لم يأخذ معنا وقتاً طويلاً، وبعدَ معركةٍ قصيرة معه، ملأ رفيقُ دربي رأسَه بسيجارةٍ ثمَّ قامَ ودفعَ الحسابَ وأشارِ لي إلى السيّارة وفيها أعلمني أنّنا سنزور خالته السوريّة في حيّ القادسيّة الثاني.
.
كانت الأزقّة في هذا الحيّ مملوءة بالنفايات والمياه العطنة تنسابُ في وسطها وأسلاك الكهرباء تملأ سماءَها كشبكة عنكبوت تنتظر الفريسة! دخلنا البيت وشاهد أبو بشّار أخته التي تسكن في بغداد وفرحَ جداً بها وتبادل معها الأحاديث وسألها عن زوجِها فأخبرته أنّه في الموصل وهو قادم بعد قليل. استرحنا قليلاً وشربنا الماءَ واللبنَ والشّاي، ثمَّ وضعت خالته الدولما (المحشيّ)، ودعونا إلى مشاركتهما إلا أنّنا اعتذرنا فقد سبقَ السّيفُ العَذَل في مطعم القبطان. وصل صهرُه وأكملنا تعارفنا، وعلمنا منه أنّهما، أي أخته وزوجها، مزمعان على الذهاب إلى شقلاوة بعد المرور بدهوك.

الاثنين، نوفمبر 24، 2008

في روما!

الخميس 14 تشرين الأوّل 2004 (روما)
.
ها قَدْ صرتُ في روما المدينة الخالدة ويومي هذا فيها هو الحادي والستّون! تمضي السّاعات وتفرُّ الأيّام فرار طائرٍ أسير من غربة قفصٍ باردْ. أعدتُ الكتابةَ مرّتين، واحدة في مطلعِ هذا النّهار والثّانية عندَ أقدامِه الآن. أمرُ الدّراسة صعبٌ في وطنٍ ليس بوطني، ولغة ليست لغتي، وغربةٌ قتّالة تفتُك بجسدي طوال شهرين، كضارٍ جاثمٍ على فريسته يمزّق بقايا اللحمَ ويتركها رفاتاً قليلا. ليس في جيبي إلا القليل القليل، بضع قطعٍ نقديّة معدنيّة تبلغُ 7 إِوْرو و67 سنتاً تمكّنني من الحصول على وجبة ونصف في مطاعم المَكْدونالدز الشّهيرة! غداً سيصلُ صديقي من بلدتي مُحَمَّلاً بوصيّتي الأخيرة التي تركتُها على الهاتف عندما جمعني بأمّي الحبيبة. سيحملُ لي كتباً وطعاماً ونقودا!
.
حصلتُ على هذه الغرفة الصّغيرة، التي لا تسعُ غريباً مثلي، في مبنىً كبير يقع في شارعِ بوتشيا الطّويل الرّازح تحت وطأة الغرباء! السّماءُ في الخارج تعصفُ بي وبكلِّ ما تحتها، والبرقُ يسبقُ الرَّعدَ هابطاً على الأرضِ بعنفوانٍ يمزّقه صوتُه الآتي من بعيد. وحُبيبات المطر تنهمرُ من عيون السّحبِ حزناً على فراقِ الصّيفِ وألوان الحياة والأوراق والثّمار وابتسامات لا تُعدّ ولا تُحصى.

الخميس، نوفمبر 20، 2008

مرورٌ عابر!

السبت 30 آب 2003 (ألمانيا)
.
استمرَّ المطرُ يغدقُ على الأرضِ المخضرّة خيراته وعلى الإسفلت مياهه حتّى الصّباح، وفي السّابعة والنّصف بلغنا محطّة مدينة شْتوتْجارتْ Stuttgart. كانت ابنةُ عمّي بانتظاري وتعانقنا طويلاً بعد غيابٍ أطول، وأخذتني مباشرةً إلى منزلها في ضاحيةٍ قريبةٍ من المدينة. مكثتُ في هذه البلاد الباردة أرضاً وشعباً لأسبوعٍ لا أكثر. زرتُ فيه مدينة أولْم Ulm الواقعة على ضفاف نهر الدانوب وحيث أعلى كاتدرائيّة في العالم. وتُعتبر هذه الكنيسة ثاني أهمّ الكنائس الألمانيّة القوطيّة (نمط فنّي) بعد كنيسة كولونيا. وهي الأعلى في العالم بارتفاعٍ يبلغ 161،1 متراً و768 درجةً صعدتُها كاملةً.
.
بعد انقضاءِ الأسبوع حملتُ رحلي من جديد راكباً الحافلة متوجّهاً إلى روما المدينة الخالدة الجاثمة على سبع تلال.

الاثنين، نوفمبر 10، 2008

في جنوب بلاد الغال!

الجُمعة 29 آب 2003 (على الطّريق بين فرنسا وألمانيا)
.
كانَ ذلكَ منذُ شهرٍ تقريباً، فالزّمن لا ينتظرُ أحداً، أمضى أيّامَه مسرعةً تلقي مخلّفاتها في حاويات الماضي والذّاكرة... غادرتُ بلدتي الحبيبة صباحَ الأربعاء في الثلاثين من الشّهرِ الماضي تمّوز لتناول الغداءَ في حلب والاستعداد للرّحيل. وعندَ المساء حملتني سيّارةُ الأجرة لتضعني بعدّتي وعتادي في المطار ومنه حلّقنا في التاسعةِ باتّجاه مطار دمشق الدّولي. مكثتُ في الترانزيت ولسوءِ حظّي أكثر من أربعِ ساعاتٍ لتنطلق بي طائرةٌ أخرى في الثّالثة من صباح اليوم التّالي. ولظروفٍ يعلمُها اللهُ وإدارة الشّركة السوريّة للطيران، تغيّر اتّجاهُ الرّحلة في الجوّ، كما يحدثُ في أفلام هوليوود؛ فعدّلتْ مسارَها باتّجاه العاصمة الإسبانيّة مدريد بدلاً من الهبوط في مرسيليا الواقعة في جنوب فرنسا. مكثنا هناك أكثر من ساعةٍ بقليل بعد أن هبطنا في الثّامنة صباحاً، وحصلتْ الطّائرة على كفايتها من الوقود لتحلّق بنا نحو المدينة المنشودة! تمَّ كلُّ شيء في غضون ساعتين، فحملتُ المتاعَ وخرجتُ لأجدَ دومينيك والدة صديقي بانتظاري يرافقُها كارلوس الأرجنتينيّ وآخر لا أعرفُ عنه شيئاً. خلال الطّريق، وبرغم التّعبِ الذي ملأني حتّى الثّمالة، زرنا مدينة مريمات البحرِ القدّيسات Les Saintes Maris de la mer.
.

.

ويروي التقليدُ الفرنسيُّ أنَّ مريمَ المجدليّة تلك المرأة التي أخرجَ منها يسوع سبعة شياطين (كنايةً عن الخطايا) ومريم أخت ألعازر وصلتا هذا المكان البحريّ قادمتين من أورشليم (فلسطين)، وهنا أُقيمت كنيسةٌ تذكاراً لهما، فيها أطلقنا الصّلوات، ودفعنا أرجلَنا تجولُ في أزقّة وساحات هذه المدينة الغارقة في جمالٍ فريد.

.

انتهى هذا اليوم المتعب عندما وضعتُ رأسي على المخدَّة في الخامسة عصراً وغبتُ في نومٍ عميق. كانَ الظّلامُ يعمُّ المكانَ عندما استيقظتُ من كثرةِ العطشِ الذي ألمَّ بي، كالحمَّى، دون استئذان. مكثتُ لحظات على هذه الحال، ثمَّ تابعتُ السّيرَ في رقادي دون تردُّد!

.

في اليوم التّالي، أي الجمعة، زرتُ مدينتي الجديدة مونبلييه Montpellier الواقعة في وسط جنوب فرنسا

.

.

وتعرّفتُ سريعاً على وسطها السياحيّ بجولةٍ قمتُ بها مع الأرجنتينيّ النّحيف كارلوس. وبعدَ عدّة أيّام، ولعدم رغبتي في قضاء الوقت عبثاً، ذهبتُ إلى أحد معاهد البلدة لتعلّم الفرنسيّة، وهناك قامتْ ناتالي سكرتيرة الطلبة باصطحابِ الطلاب الجدد للتعرّف على أهمّ آثار المدينة الثقافيّة والدينيّة، حيث حدّثتنا بلهجةٍ فرنسيّةٍ جنوبيّة، لم أفهم منها إلا الإشارات، عن كاتدرائيّة القدّيس بطرس التي سلبتْ أنظارَ الجميع. ثمَّ أسرعتْ بعدها لتقف بنا أمام أقدم جامعات الطبّ في العالم.

.

كانَ هذا الشّهرُ سياحيّاً ثقافيّاً بطرازٍ رفيع نقلتني أيّامُه بين مدنٍ مختلفة مثل نيم Nîmes

.

.

تجوّلنا فيها ليومٍ كامل ومررنا على المسرح الرومانيّ المدوَّر، المُشابه للكولوسِّيوم الرّابض في وسط روما القديمة. لم نتمكّن من الدّخول بسبب خضوعه للترميم والإصلاح، فعدّلنا المسير متّجهين نحوَ مكانٍ آخر.

.

.
التقينا بأثرٍ رومانيّ آخر هو المعبدُ المسمَّى بـ "المربَّع"، وهناك فاحت روائح جثث الآلهة التي ماتت منذ تلك الأيّام!
.

.

ولم نغادر المدينة دون العبور في محطّة الجسر الضّخم العتيق المدعوّ Pont Du Gard Aqueduct، وهناك بقينا صامتين مدهوشين كراهبٍ راكعٍ أمام المصلوب.

.

.

تشابهت الزّيارة في مدينة آرل Arles حيث تباركنا من الفنّ الرّومانيّ في مسرح المدينة ومتّعنا النّظر من جديد بهيبة الكولوسِّيوم الآرليّ، وبقربِه اخترنا مطعماً صغيراً ذقتُ فيه الكريبْ الفرنسيّ للمرّة الأولى.

.

.

هكذا كانت أسفارُنا بين مدن الجنوب فمن إكس آن بروفانس aix- en- provence حتّى مرسيليا التي قضينا فيها ليالٍ لا تُنسى، ومن شاطئها أشاروا لنا إلى جزيرةٍ بعيدة قائلين: تلك هي جزيرة مونت كريستو! ومرّةً كنّا نجتازُ حيّاً فقيراً بالياً من أحياء المدينة، فقال صديقي الفرنسيّ مشيراً إلى مجموعة البنايات المليئة بثياب الغسيل كلوحةٍ تشكيليّة، هنا وُلد زينُ الدّين زيدان. ولم نفوّت البحرَ إذ قضينا نهاراً كاملاً على شاطئ كَسّيس cassis الصّخريّ وهناك قفزتُ كالمجنون في بحرٍ تملأه الصّخور الضّخمة القريبة من سطح المياه من ارتفاعٍ يزيد عن ثمانية أمتار. ومن شدّة الهلع شعرتُ أنَّ الصّخرة التي هبطتُ عليها وقعتْ فوقَ رأسي، والماءُ يجعلُك مقلوباً فلا تعلم رجليك من رأسك. كنتُ مفعماً بحماسة الشّباب وحماقتهم!!!

.

تميّزت مدينة آفينيون Avignon بقصرٍ ماردٍ راسخ بالقرب من نهر الرّون Rhon يصله ممتدّاً بأجنحته وساحاته وجدرانه فيبلغ قلبَه عبر جسرٍ يروي عنه التقليد أسطورةً مقدّسة. فأمّا القصرُ فيدعى قصرَ البابوات، أقامُه البابا إقليمندوس الخامس الذي جاءَ فرنسا ليسكن هذه المدينة، وبقي من بعده تسعٌ من رؤساء الكنيسة الرّومانيّة يقطنون فيه، حتّى استطاعت قدّيسةٌ سويديّة تُدعى بريجيديا، بتقواها وقداستها، إقناع البابا بالعودة إلى روما كرسيّ الخلافة البطرسيّة سنة 1377. مكثنا في القصر مدّةً لم تكفِ للتعرّف عليه كما يليق بهذا الصّرح التاريخيّ، ومنه ارتجلنا الطّريقَ نحو جسر القديس بينيزيه الشّهير.لهذا أيضاً أسطورة دينيّة تروي أنَّ أهلَ البلدة كانوا يذوقون المرَّ في عبورِ النّهر العريض، فقامَ قدّيسٌ يدعى بينيزيه ببنائه بمعونة الملائكة. لطالَما أدهشتني تقوى المؤمنين!!! حكايات وغرائب يتمسّكون بها ويرصفونها بين أحجار التقليد لتصبحَ في ما بعد مدماكاً رمليّاً عليه يُقيمون الإيمان... هراء! فالأخير لا يقوم إلا على الاختبار والمعرفة ولا يبدو جليّاً إلا بالأعمال.

.

.

نعودُ إلى الصّفرِ والعودُ أحمدُ، ففي هذا اليوم بالذّات أي التاسع والعشرين من آب غادرتُ البلدة التي عشقتُها وقضيت بين ربوعِها شهراً من الزّمنِ راكباً الحافلة. في الحقيقة خُيّرتُ بين الطّائرة والقطار وتلك، وفضّلتُ الأخيرة لرغبتي في قضاءِ وقتٍ طويلٍ وحيداً مسافراً ألقي بما بقي عندي من نظرات على البلاد التي تنتشر على طول الطّريق! وهكذا أقلّتني السيّدة دومينيك بسيّارتها السيتروان إلى المحطة وفيها ركبتُ حافلةً ألمانيّة يقودُها رجلٌ بشاربٍ أحمرَ عريض غاضبٌ على الدّوام. دخلتُها وجلستُ في المقعد الأوّل خلفَ السّائق، وما أن وضعتُ نفسي في مكانِها ورآني النازيُّ الواقف خارجاً حتّى هبَّ حانقاً يصيحُ في غضبٍ Nein... Nein... محرّكاً سَبَّابته يميناً شمالاً وهو يتّجه نحوي. في الحقيقة لم أفهم ماذا يريد لأنّي وللمرّة الأولى أسمعُ هذه الكلمة الألمانيّة. دخل وبدأ يصيحُ فيّ بلغته المملوءة خاءً، وشاربه يهتزُّ وقد جحظتْ عيناه فقلتُ في نفسي: اللهُ يعلمُ كم شربَ هذا السكّيرُ قبل الرّحيل! أجبتُه بإنجليزيّة ركيكة وقلتُ: لا أفهم الألمانيّة حدّثني بالإنجليزيّة. لكنّه بعرقِه الآريّ أبى عليّ ذلك واستكبر ومضى قدماً بلغة الفلسفة واللاهوت والاستشراق. تأفّفتُ مراراً وتكراراً حتّى أمدّني اللهُ بمعاونه اللطيف الذي لحقنا وقال لي بهدوء: يسألك ألا تجلس خلفه فهو يريدُ وضعَ حاجاته!!! لعنتُ هتلرَ سبع مرّات. وحملتُ حملي وأخذتُ مكاني في الطّرف الآخر.

.

بعدَ قليلٍ بلغنا آفينيون وكان علينا البقاءُ فيها ساعةً فنزلتُ وجلتُ في السّوقِ القديم متوقّفاً أمامَ مكتبةٍ لبيع الكتبِ القديمة. تأمّلتُ الواجهةَ وكتبَها المطبوعة بثقافةٍ فرانكفونيّة بيّنة. لم أجرؤ على الدّخول لأسبابٍ جلّها يتعلّق بفرنسيّتي "الفايتة بالحيط" وجيبي "المبخوش" كأبنية برج حمّود في بيروت!عندَ مشارف مدينة ليون الجميلة بدأ الرّذاذ ينهمرُ ضافياً على مشهدنا عذوبة ما بعدها شيء آخر. في محطّة المدينة الرّئيسيّة حيث استرحنا لنصفِ ساعة تكرّر غضبُ النازيّ الذي رفضَ أن يحدّثَ شابّاً أميركيّاً إلا بلغة قومِه وبلدِه... أوفّ منك يا أحمرَ الشّارب! أسعفه المعاونُ مرّةً أخرى. مررنا أيضاً بستراسبورج ومدن أخرى كثيرة وأنا أرقبُ الطّريقَ وأذيّل الخارطة المفروشة أمامي بهوامشَ وإشارات متطلّعاً بين الفينة والأخرى على تلك اللافتة فوسفوريّة اللونِ Sortie حتّى لمحتُها من بعيد بلغةٍ أخرى تقول Ausfahrt وتشير إلى أنّنا وطئنا عتبة القبائل الجرمانيّة.