السبت، أبريل 18، 2009

قراءة موجزة في أدب سيمون جرجي

كتبها النّاقد والأستاذ إيليّا
.
يتّسم أدب سيمون جرجي عامة بالحيوية والنشاط، وهما صفتان اكتسبهما غالباً من شخصيته التي تتمتع بهما حقاً. فهو أبداً في حلّ وترحال. يتنقل بين البلدان والقارات بخفة لا تعرف التعبَ. يعاين الأحداث في هذه البلدان، ويستجلي ظواهرها الفكرية والاجتماعية، ويصور للقارئ معالمها البارزة بريشةٍ فنان صنّاع.
.
ولأدبه مضامين فكرية ونفسية متعدّدة يمكنُ حصرها في النقاط التالية:
1- البوح بالمشاعر الذاتية، ومناجاة الروح بأسلوب شعري جميل مؤثر
2- التغني بحب الوطن، والأم ..
3- بث الشجون التي تولدها الغربة في نفسه، والشكوى من العسر المادي وضيق ذات اليد
4- تصوير مشاهد ومعالم ومواقف وشخصيات من البلدان التي يزورها الكاتب المولع بالرحلات، مع بيان آثارها في عقله ووجدانه
5- وصف شغفه بالكتب، والمكتبات
6- النظرة العميقة إلى الحياة والموت وما يتأرجح بينهما من الأفكار الفلسفية ذات الطابع اللاهوتي
كما يتضمن أشياءَ أخرى، منها ما هو طريف ممتع من مثل ميله إلى الأطعمة وعنايته بوصفها، وبوصف إقباله عليها وتذوقه لها، حتى ليذكرنا ببعض شخصيات الجاحظ المولعة بالمآكل. وقد استلفت نظرنا هذا الميل من الكاتب إلى الأطعمة والأشربة، فآثرنا أن نشير إليها حيثما وردت في تدويناته، لما فيها من الظرف والطرافة:
.
نقرأ في تدوينته الأخيرة "الجزار الأفريقي" -وهو عنوان استعاره الكاتب لنهر النيل، ولم يكن مع الأسف موفقاً فيه؛ لأن النيل كما هو معروف واهب للحياة، وليس كالجزار يقبض عليها للذبح - ما يلي:
"قرّرنا الخروجَ هذا المساء ونبذ اعتزالنا المنزليّ، فطرحَ صديقي مشروعَ العشاء على الطاولة وتلقّفته أيادينا وأعملنا فيه المشاورة بين أن نتعشّى هنا ونخرج، أم نتناوله خلال الطّريق! رجّحت الأصوات عشاءَ الطّريق، فاستعجلنا الترتيب والتوضيبَ وهرعنا إلى الخارج كطيرٍ أقامَ في قفصٍ أعواماً طوالا.."
.
ثم يتابع قائلاً:
"... بالقربِ من حيّنا الغمراويّ دخلنا مطعم "كوك دور" الذي اشتهرَ في مصر بوجباته السّريعة، وطلبنا صندويتشاً، وكانت حصّتي واحدة محشيّة بصدرِ دجاجٍ مشويّ. حملنا هذا الغداء وبلغنا به كورنيش النّيل ..".
.
وفي تدوينة "مجمع الأديان" ما يماثل هذا النهم إلى الطعام:
"كانَ الفطورُ دسماً هذه المرّة فقد ازدردتُ بيضتين و"عيشاً" (خبزاً) مصريّاً مع كأسٍ من الشّاي الثّقيل وتراوحت ملحقاتُ هذا الصَّبوح بين الجبنةِ واللبنةِ..".
.
وحين يكتب إلى صديقته رداً على رسالتها المنتظرة، لا يفوته أن يستمد من المائدة عناصر فكرته فيقول:
"ما يزالُ عندي وقتٌ طويل فحدّثتُ نفسي ودعوتُها إلى مائدة من موائد الأدبِ الرّوائي المصريّ ..".
.
وفيها أيضاً هذا الوصف المسهب الفكه للمأكل والمشرب، ولإحساس الكاتب بهما. وهو إحساس يكاد يقترب من إحساسه حين تبصر عينه إحدى المكتبات:
"سألتُ صديقي الذي أُلازم مسكنه عن الغداء فقال لي: "كُشَري"، ستأكل اليومَ طعاماً لذيذاً وستدعو لي من بعدها. خرجَ على أثرها وعادَ بعد قليل حاملاً الكشري الموعود وبضعة أقراص من الطعميّة وعلبتين من اللبن الزّبادي. نزلتُ إلى الميدان بكامل لباسي العسكريّ فمزّقتُ الصّحون والأقداح وجعلتُ منها عبرة لمن اعتبر ..".
.
وجاء في موضع آخر هذا الحديث العجيب الذي يشبه حديث النساء أو الطهاة:
"دخلنا هذا المركز التجاريّ العملاق وسارعنا إلى سوقِه حيث المؤونة والغذاء، وحملنا معنا ما يكفينا أسبوعاً وكانَ بينها باذنجان أبيض أراه لأوّل مرّة أخذناه لنصنعَ منه مع الكوسا والبندورة والفليفلة طعاماً نسمّيه "دولما" وهو "المحشيّ" عند البعض الآخر. بعدَ جولةٍ أخرى من التسوّق في هذا "المول" جلسنا في أحد مقاهيه وطلبتُ كأساً من الشوكولا المثلّجة، بينما اشتهى صديقي كأساً من الشّاي... عُدنا إلى البيت واقتصر العشاءُ على بقايا الغداء وملحقات السفرة الأخرى".
.
وفي تدوينته "في روما" سنقرأ حبه للأكل أيضاً ولكن في إطار شاكٍ حزين:
"ليس في جيبي إلا القليل القليل، بضع قطعٍ نقديّة معدنيّة تبلغُ 7 إِوْرو و67 سنتاً تمكّنني من الحصول على وجبة ونصف في مطاعم المَكْدونالدز الشّهيرة! غداً سيصلُ صديقي من بلدتي مُحَمَّلاً بوصيّتي الأخيرة التي تركتُها على الهاتف عندما جمعني بأمّي الحبيبة. سيحملُ لي كتباً وطعاماً ونقودا.. ".
.
ولن ينسى كاتبنا وهو يستعد للرحيل في تدوينته "في جنوب بلاد الغال" أن يتناول طعامه. فإن تناوله للطعام، طقس مقدس لا بُدَّ من ممارسته قبل الرحيل:
"غادرتُ بلدتي الحبيبة صباحَ الأربعاء في الثلاثين من الشّهرِ الماضي تمّوز لتناول الغداءَ في حلب والاستعداد للرّحيل .. ".
.
هذه بعضُ صورٍ للأطعمة رسمها لنا الكاتب في تدويناته بريشة متشهية. وجاءت لترسم في مخيلة القارئ ملامح كاتبٍ له ولعٌ خاص بالأطعمة والأشربة، ولتضعَه وجهاً لوجهٍ أمام رجل بطين، ضخم، ثقيل الحركة، تجحظ عيناه كلما وقعتا على صنفٍ يلذُّه منها. وهو في الواقع ليس كذلك...

الأربعاء، أبريل 15، 2009

مواطن غليظ

ها قد مضت عدّة أسابيع على اتخاذي قرار الالتزام بهذه المدونة الفتيّة، وكنتُ قد قطعتُ على نفسي عهداً بأن أقدّم مادةً فيها كلّ أسبوع على الأقل. من الواضح أنّي لم أستطع الوفاء بعهدي، إلا بنشر مقالة يتيمة كتبتُها منذ زمن بعيد جداً، والسبب بكلّ بساطة يعود إلى شحّ "المواد الأوّلية" للكتابة.
.
الموادّ الأوّلية اللازمة للكاتب، وأعني طبعاً الكاتب اللي متل حكايتي، الذي ليسَ لديه من الأبحاث والمعارف المفيدة إلا الشيء القليل، يحتاجُ إلى موادّ أولية يقوم بصياغتها ووضعها في قالبٍ ما، حتى تصبح صالحةً للعرض أمام القارئ. وتتمثّل المواد الأوليّة في مواقفَ يجدُ الكاتبُ نفسه متورّطاً فيها، وأحداثٍ يمرّ بها، وشخصيات يقابلها ويخوض معها في أحاديث وحوارات ونقاشات.
.
مرّت الأسابيع الماضية بأيّامها ولياليها، ويا للأسف الشديد، لم أتورّط خلالها في مواقفَ صعبة، ولم أمرّ بأحداث مثيرة، ولم أقابل أشخاصاً مهمّين لأخوض معهم في أحاديث تتناسب ودرجة أهميّتهم، واقتصرت مشاهداتي على نماذج من "المواطن الغليظ"، فاخترتها لتكون موضوع هذا اليوم باعتباري لم ألتقِ بغيرها.
.
ما الذي يجعلنا نلصق بمواطنٍ ما تهمة "الغلاظة"؟ أو بالأحرى ما هو التعريف الدقيق للمواطن الغليظ؟
.
باختصار، المواطن الغليظ هو ذاك القادر على تسويد عيشتك، وتسكير الأبواب المفتّحة في وجهك. وهو المخلوق الوحيد الذي يخرّب عليك سعادتك دون أن ينكشَه ضميرُه نكشة عذاب، لأنّه بكلّ بساطة غليظ!! ولا يوجد أيّ نصّ في القوانين والشرائع والأديان يجيز محاسبة الغليظين على غلاظتهم، كما أنّ الغليظ معذورٌ -ما بيتآخذ-، فهذه طبيعته التي لا يستطيع تغييرها.
.
والغليظون يُصنَّفون في أنواع وأنماط حسب درجة الضرر، فهناك الغليظ المحمول (القابل للتحمّل) من قبل الأشخاص غير الانفعاليين، وهناك الغليظ المتحوّل الذي يتحوّل من غليظ إلى قليل تهذيب أو من غليظ إلى حرامي أو نذل، أو من غليظ إلى نكبة أوعقبة أوعثرة أوإعاقة أو... وإليكم بعض الأمثلة:
.
تخيّل مواطنة زميلة لك في مكان عملك الذي لا تحبّه، ولا ينتابك الانبساط والانشراح عندما تدخله، تستقبلك صباحاً بوجه (مجلغم)، وأسنان ملوّثة بأحمر الشفاه كشفَتْها لك ضحكتُها البلهاء، فتردّ تحيّتها بانقباض وأنت تجلسُ على طاولتك وتبحث عن فنجانك (أبو أذن) المطبوعة عليه رسوماتك الكرتونية المفضّلة، تسألها عنه وتصفُ لها شخصيات الكرتون في محاولةٍ منك لإفهامها أنّ هذا الفنجان خاصّ بك ويعبّر عنك، فتتسعُ ضحكتها البلهاء إياها وتجيبك بأنّها "استعارته مؤقّتاً" لتضع فيه أقلامها الجافّة التي لم تستخدمها منذ سنة!! فتتحمّل وتستوعب الأمر باعتبار أنّ فنجانك ليس من ذهب ولا أهميّة قصوى لوجوده معك، وتستطيع –ولو على مضض- أن تستخدم سواه (غليظة محمولة). إلا أنّ رحابة صدرك ربّما لن يكتب لها الاستمرار عندما يصدح كومبيوتر زميلتك المواطنة الغليظة من صباحية ربّنا بأغاني الكراجات والسرافيس والملاهي الليلية، عندها فقط ستبدأ بالشعور بالغضب، وتستمرّ بالغضب تصاعدياً عندما تندمج الغليظة مع الموسيقا وتسترسلُ بالغناء بصوت... يشبه صوت احتكاك الأظافر بالحائط، وكلّ الأغاني تخرج من فمها بنغمٍ واحد، ولو مرّت صدفةً غنيّة حلوة وعزيزة عليك فلا تفرح، إذ أنّ زميلتك الغليظة موجودة لتفسدَ عليك متعة الاستماع، فتضارب على المغنّي بصوتها! (غليظة متحوّلة إلى قليلة تهذيب).
.
مثال آخر... تخيّل مواطناً مساوياً لك في الحقوق والواجبات والجوهر، دفعتك ظروف بالغة التعقيد للقائه والتعرّف عليه، حتى تقع في "غلاظته" من أوّل نظرة ومن أوّل سلام ومن أوّل موعد...
يسألك المواطن عن اسمك، تجيبه بلطفٍ بالغ: اسمي فلان... وبإمكانك أن تناديني كذا... وأحبّ أن تناديني كذا... لأنّ أصدقائي المقرّبين ينادونني كذا (طريقة ذكيّة جداً لجعل الطرف الآخر مرتاحاً في حديثه معك، فأنت تريده أن يناديك كما يناديك المقرّبون، وهذا يعني أنّك لا تمانع أن يصبح واحداً من هؤلاء المقرّبين). لكنّ المواطن ويا للأسف... غليظ!! غليظ إلى درجة أنّه يضحك نفس ضحكة زميلتك الغليظة إياها (سبحان الله... أشياء كثيرة مشتركة بين أفراد الصنف الواحد) وهو يقول: بتعرف... أنا شفت فيلم بزماني بيحكي عن قرد اسمو على اسمك... هاهاهاهاها.... يستغرق المواطن الغليظ في قهقهة شديدة البلاهة دون أن ينتبه إلى تعابيرك التي تنضح استياءً! وكيف له أن ينتبه وهو غليظ من أرفع طراز؟ سمعت بحياتك عن جمل قدر بيوم يشوف حردبته؟
وفي موقف آخر يخاطبك المواطن الغليظ قائلاً: تذكّرني تصرفاتك هذه بتصرّفاتي عندما كنت صغيراً مثلك!!! فتذكّره وبتهذيب أنّك لست صغيراً، فيجيبك الغليظ: لا أعني صغر السنّ... بل العقل!!!
.
غلاظة المواطن في هذا الوضع تختلف عن الغلاظات الأخرى، ولعلّها أشدّ أنواع الغلاظة فتكاً وتدميراً، فالغليظ من هذا النوع قادر على إيذائك وجرحك في الصميم بمجرّد قراءة تعاويذ غلاظته على رأسك، كما أنّه يحسن اختيار الأوقات الملائمة لتطبيق غلاظته حتى يحقق أكبر قدرٍ من الخسائر بضربة واحدة: فعندما تكون معنوياتك مرتفعة في وقتٍ ما، الغليظ كفيل بتسويتها بالأرض، وعندما تكون بأمسّ الحاجة إلى وجود صديق –بالمعنى الصحيح للصديق-، يفعل الغليظ المستحيل حتى يُشعرك بأنّك وحيد منبوذ وعديم القيمة كأرملة وحدانية!
.
من المؤسف أن نجد أنفسنا مضطرين إلى التعامل مع النماذج الغليظة يومياً وفي كلّ الأوضاع والمجالات. عندما تخرج صباحاً إلى العمل فستجد الغليظ ينتظرك كيفما تحرّكت، في الشوارع وفي المواصلات وحتى في سيارتك الخاصة... فالسائق الغليظ الذي يكسر عليك ويشتمك ويهدّدك، والسائق الغليظ الذي يقشطك فوق العدّاد شي مية ليرة، والسائق الغليظ الذي يحاول أن يدعسك وأنت تعبر الشارع، وعمّو الشرطي الغليظ الذي يترقّبك ويتعقّبك لا خوفاً عليك ولا حبّاً بالنظام... فَشَر! فهو يتمنّى في قرارة نفسه أن يكون حزامك مفكوكاً (الأمان طبعاً)، أو تخالف الإشارة وتهرس كام زلمة بطريقك، لا بل يتمنّى أن تفوت بشي حيط لينال اللي فيه النصيب!
.
تصول وتجول في دوائر الدولة لأنَّ عندك معاملة رسمية بدها "ملاحقة" (لا يستخدم هذا التعبير أحدٌ في العالم سوانا)، فيصفّر مؤشّر الغلاظة وبيضوّي أحمر، لأنّك ستجد أغلظ خليقته تعالى بانتظارك، معقّب معاملات على الباب: بمشّيلك ياها أستاز، نحنا بخدامة الطيبين أستاز... وموظّف: اتركها وغطّلك غطّة لبكرا... بس اليوم خميس... إيه غطّ للأحد!!! وموظّف ثانٍ: هي بدها ختم الديوان، وموظّف الديوان خالتو مرت أبوه عطتك عمرها وآخد إجازة، راحت معك للأسبوع الجاية!
.
في مدارسنا وجامعاتنا تجدُ الغلاظة: عندما يدخل الدكتور القاعة ليلقي المحاضرة، وهو يعلم تمام العلم أنْ ليس له هناك مستمعون، ولا مريدون، ولا مستقيظون، وليسَ هناك سوى متمتمين: إيه اللَّعية اللي تلعي قلبك يا دكتور شو قليل وجدان وقليل قدر! ويبقى مع علمه هذا مصرّاً على إلقاء المحاضرة، ومصرّاً على قول: حدا عندو سؤال؟؟؟!!! (لك مين بدّو يسألك بالله؟ هالنايم ولا هالشّارد ولا هالعشقان؟). كما ويصرّ بشدّة على إعطاء نسبة للحضور من المحصّلة النهائية، أفليسَ هذا قمّة البلاهة والجهالة و... الغلاظة؟!
.
حتى إعلامنا لم ينجُ من الغلاظة: برامج غليظة، أخبار غليظة، مذيعون غليظون يحاولون أن "يتهضمنوا" (لو يبقوا على غلاظتهم الطبيعية... مو أحلى؟)، مقابلات غليظة، إعلانات غليظة، مسلسلات مدبلجة غليظة... كلّها تجتمع لتنتج بالتالي مشاهدين غليظين، لأنو ما حدا بيتحمّل يشوف الغليظ إلا الغليظ اللي متلو.
.
السوريّون يا جماعة الخير شعبٌ يتميّز بغلاظة فريدة من نوعها، واسألوني ليش؟
.
كنت قد ذكرتُ سابقاً أنّ الغليظ المزبوط لا يعرف أنّه غليظ، بل يعتبر نفسه مهضوماً حلو النكتة، وكذلك الشعب السّوري: فهو يرى نفسه ظريفاً لطيفاً وخفيفاً، لا مشاكل لديه، ولا أزمات من أيّ نوع، لا أخلاقية ولا ثقافية ولا اجتماعية! وهنا الكارثة!
.
متى سيصحو هذا الشعب ويتنبّه إلى أنّه أضحى واحداً من أضخم مصدِّري الغلاظة في الشرق الأوسط والعالم؟

السبت، أبريل 11، 2009

تراتيل الجمعة الحزينة بصوتِ فيروز

يقولُ القدّيس والفيلسوف الشّهير أوغسطينوس "من رتّلَ صلّى مرّتين"! وكما نقلتُ إليكم تراتيل مطربتنا السّريانيّة فيروز في عيد الميلاد مع كلماتها وما جاءَ فيها، أنقلُ إليكم اليومَ مجموعة من أناشيدها في الجمعة الحزينة التي نمرُّ فيها بحسب التقويم الجريجوريانيّ، وهذه الأناشيد هي من تراث الكنيسة الملكيّة (البيزنطيّة). أرجو أن تستمتعوا بها!
.
استنيري
إنَّ الملاكَ تَفوَّه نحوَ المُنعَمِ عليها:
أيّتها العذراءُ النّقيّةُ افرحي،
وأيضاً أقولُ: افرحي
لأنَّ ابنَكِ قدْ قام مِنَ القَبرِ في اليومِ الثّالث.
استنيري استنيري يا أورَشَليمُ الجَديدة،
لأنَّ مجدَ الربِّ قدْ أشرقَ عليكِ.
افرحي الآن وتهلّلي أورَشَليم
وأنتِ يا نقيَّة يا والدةَ الإله
اطربي بقيامةِ ولدِك.
.
تعليق: يربطُ المرنّمُ الكنسيّ حدثَ القيامة بحدث البِشارة بشكلٍ فريد، عندما يجعل من الملاك المُبشّر بالتجسّد الإلهي رسولاً مبشّراً بقيامة الربِّ يسوع موجّهاً بشارته إلى مريمَ كما وردَ في مطلع إنجيل لوقا. ونجدُ في نصِّ هذه الترتيلة كلمة "افرحي" بدلاً من "السّلامُ عليكِ" لأنَّ الكلمة اليونانيّة تشيرُ إلى الفرحِ في موضع السّلام! هي مريم التي أَنعمَ الآبُ عليها واختارها لتكون أمّاً لابنه الوحيد وهي عذراء قبلَ الولادة وبعدها وهي أيضاً نقيّة لأنّها مُنعمٌ عليها محفوظة من كلِّ دنس! موضوعُ البِشارة كما قلنا هنا هو قيامة ابن مريم من بين الأموات، ولهذا يصلُ الكاتبُ بين القيامة فالمجد فالاستنارة، ويُخاطب أورشليمَ الجديدة، أي السّماويّة الرّوحيّة، ويقولُ لها استنيري وافرحي وتهلّلي لأنَّ الربَّ قامَ ومجده أشرقَ عليكِ.
.
حمّل الترتيلة:
.
.
المسيح قامَ من بين الأموات
المسيحُ قامَ من بين الأموات،
ووطئ الموتَ بالموت،
ووهبَ الحياة
للذينَ في القبور.
,Χριστὸς ἀνέστη ἐκ νεκρῶν
,θανάτῳ θάνατον πατήσας
,καὶ τοῖς ἐν τοῖς μνήμασι
.ζωὴν χαρισάμενος
خْريسْتوس آنيستي إِك نِكرون،
ثاناتو ثاناتون باتيسَسْ،
كِه تيس إنْ تيسْ مْنيماسي،
زوين خاريسامينوسْ.
المسيحُ قامَ من بين الأموات،
ووطئ الموتَ بالموت،
ووهبَ الحياة
للذينَ في القبور.
هذا هوَ اليومُ الذي صنعَه الربّ
فلنفرحْ ولنتهلّلْ بهِ
المسيحُ قامَ من بين الأموات
ووطئ الموتَ بالموت
ووهبَ الحياة للذينَ في القبور.
.
حمّل الترتيلة:
.
.
اليومَ عُلّق على خشبة
اليومَ عُلّقَ على خشبة الذي علّقَ الأرضَ على المياه،
إكليلٌ من شوكٍ وُضعَ على هامةِ ملكِ الملائكة،
برفيراً كاذباً تسربل الذي وشّح السّماءَ بالغيوم،
قبل لطمةً الذي أعتقَ آدمَ في الأردنّ،
ختنُ البيعة سُمّرَ بالمسامير،
وابنُ العذراءِ طُعنَ بحربةٍ.
نسجدُ لآلامِك أيّها المسيح (3)
فأرنا قيامتَك المجيدة.
.
حمّل الترتيلة:
.
.
أنا الأمّ الحزينة
أنا الأمّ الحزينة وما مَن يُعزّيها.
فليكنْ موتُ ابنِكِ حياةً لطالبيها.
أمُّ يسوع قدْ بكتْ فأبكتْ ناظريها.
فليكنْ موتُ ابنِكِ حياةً لطالبيها.
لهفي على أمّةٍ قتلتْ راعيها.
فليكنْ موتُ ابنِكِ حياةً لطالبيها.
ناحَ الحمامُ على تشتُّتِ أهليها.
فليكنْ موتُ ابنِكِ حياةً لطالبيها.
عذارى أورَشَليم تبكي على بَنيها.
فليكنْ موتُ ابنِكِ حياةً لطالبيها.
تعالوا إلى مريم أمِّه نعزّيها.
فليكنْ موتُ ابنِكِ حياةً لطالبيها.
.
حمّل الترتيلة:
.
.
طُرُقُ أورَشَليم
طُرُقُ أورَشَليم نائحة لعددِ القادمين إلى الأعياد
وجميعُ أكواخِها متهدّمة كهنتها متنهّدون
وعذاراها متحسّرات وفي مرارةٍ
الربُّ صالحٌ للذين ينتظرونَه للنفسِ التي تلتَمِسُه
خيرٌ أن يُنتظرَ خلاصُ الربِّ بسكوتٍ
لأنَّ السيّدَ لا يُحصي إلى الأبدِ
فإنّه ولو أعدد يرحمُ بحسبِ كثرةِ رأفتِه
عيني تقطرُ ولا تسكتُ لأنَّه لا قرارَ لي
إلى أن يطلِعَ وينظُرَ الربُّ من السَّماء
دعوتُ باسمِك يا ربِّي اسمعْ صوتي
لا تحجبْ أذنَك عن استغاثتي
اقتربْ يومَ أَدعوك.
.
حمّل الترتيلة:
.
.
قامت مريم
قامتْ مريم بنتُ داود إزاءَ العود
تندبُ ابنَها المصلوب بأيدي الجنود
رُمحُ الحُزنِ غائص في نفسِها
ومن آلامِه غابتْ عن حسِّها
ثمَّ أفاقت الوالدة
وصاحتْ آه يا ولداه
حبيبي حبيبي يا ولداه خاطبني
كيف أراك عريان ولا أبكيك يا ابني
أوجاعُكَ حرقتْ أكبادي
آلامُكَ خرقتْ فؤادي
أحياةٌ لوالدتِك يا ولداه بعدَ موتك؟!
يا أمَّ يسوع بنت الآب الأكرم
يا عروسَ الرّوح القدّوس الأعظم
أشركينا بآلام فادينا
زيّنينا بنعمة بارينا
لنخدمَكِ مديدَ الدّوام
على الأيّام والأيّام.
.
حمّل الترتيلة:
.
.
كاملُ الأجيال
كاملُ الأجيالِ تُقرِّبُ التّسبيحَ لدفنِك يا مسيحي
حاملاتُ الطّيبِ أهدتْ لكَ الطّيوبَ بشوقٍ يا مسيحي
با ربيعي العذبَ يا بنيَّ الحلوَ أينَ اختفى جمالُك؟!
أيُّها الثّالوثُ الآبُ الابنُ الرّوحُ ارحمْ جميعَ العالم
كاملُ الأجيالِ تُقرِّبُ التّسبيحَ لدفنِك يا مسيحي.
.
حمّل الترتيلة:
.
.
وا حبيبي
وا حبيبي وا حبيبي أيُّ حالٍ أنتَ فيه!
من رآكَ فشجاكَ أنتَ أنتَ المُفتدي
يا حبيبي أيَّ ذنبٍ حمّلَ العدلُ بنيه
فأزادوكَ جراحاً ليسَ فيها من شفاء
حينَ في البستانِ ليلاً سجدَ الفادي الإله
كانت الدّنيا تُصلّي للذي أغنى الصّلاة
شجرُ الزّيتونِ يبكي وتناديه الشّفاه
يا حبيبي كيفَ تمضي أترى ضاعَ الوفاء؟!
.
حمّل الترتيلة:
.
.
يا شعبي وصحبي
يا شَعبي وصَحبي أينَ عهدُ الإيمان؟!
أينَ الوفا بالحبّ والوداد والرّضوان؟!
كالقاتلِ والعدوّ دفعتموني للهوان
وما بينَ لصّين تركتموني عريان
يا مريمُ أمّي نحيبُك يزيدُ أدمعي
ارحميني واسكتي، اتركيني وارجعي
يا أبتاه لماذا تتركُني لوجعي؟!
خنقتْني الحسرات ومزّقتْ أضلعي.
.
حمّل الترتيلة:
.
.
يا يسوع الحياة
,Η ζωή εν τάφω
κατετέθης, Χριστέ
,και αγγέλων στρατιαί εξεπλήττοντο
.συγκατάβασιν δοξάζουσαι την σήν
إي زويي إِن تافو
كاتيتيثيس، خْريستِه،
كِه أنجِلون سْتْراتيِّه إكْصِبليتونْتو،
سينجاتافاسين ذوكصازويسِه تينْ سينْ.
يا يسوعُ الحياة في قبرٍ وُضعتَ
فالجنودُ السَّماويّةُ انذهلتْ
كلُّها ومجَّدتْ تَنازُلَك
المسيحُ الحياة حينَ ذاقَ الممات
أعتقَ النّاسَ مِن الموت
ولقدْ منحَ الآن الحياةَ للجميع
فاضَ مِن جَنبِك كَمِن نبعٍ واحد
جدولٌ مضاعفٌ منهُ نستقي
مثمرٌ لنا الحياةَ الخالدة
نُعظِّمُك باستحقاقٍ يا مُعطي الحياة
يا من بسطَ يديه على الصَّليب
ساحقاً قُدرةَ سُلطانِ العدوّ
نعظِّمُك باستحقاق يا خالقَ العالم
فبِآلامِك نِلنا كلَّ شِفاء
ونَجونا كلُّنا مِن الفساد
حَبّةُ الحِنطة المُثنّاةُ ذاتُ الطَّبيعتين
زُرِعتْ بالعَبرات في حُضنِ الأرض
وسَتُفرعُ السُّرورَ للجميع
يا مُخلّصي إنَّ الشَّمسَ والقمرَ أَظلما معاً
وكعبدين أمينين التحفا حُللَ الليلِ الدَّجيّ الضّافية.
.
حمّل الترتيلة:
.
.
- موقع للاستماع أو التحميل على شكل MP3:
.
- موقع آخر:

الأحد، أبريل 05، 2009

الجزّار الأفريقيّ

مساء الأحد 27 تموز 2008 (القاهرة)
.
قرّرنا الخروجَ هذا المساء ونبذ اعتزالنا المنزليّ، فطرحَ صديقي مشروعَ العشاء على الطاولة وتلقّفته أيادينا وأعملنا فيه المشاورة بين أن نتعشّى هنا ونخرج، أم نتناوله خلال الطّريق! رجّحت الأصوات عشاءَ الطّريق، فاستعجلنا الترتيب والتوضيبَ وهرعنا إلى الخارج كطيرٍ أقامَ في قفصٍ أعواماً طوال وبصر البابَ مفتوحاً!
.
بالقربِ من حيّنا الغمراويّ دخلنا مطعم "كوك دور" الذي اشتهرَ في مصر بوجباته السّريعة، وطلبنا صندويتشاً، وكانت حصّتي واحدة محشيّة بصدرِ دجاجٍ مشويّ. حملنا هذا الغداء وبلغنا به كورنيش النّيل حيث اقتربَ منّا أصحابُ المراكب يعرضونها علينا. بعدَ أخذٍ وردٍّ اتّفقنا مع واحدٍ منهم على استئجار مركبه بمئة جنيهٍ لمدّة ساعتين، وهي المدّة المسموح بها لبقاءِ مراكبِ الأجرة في النّيل بشكلٍ متواصل بحسب القوانين السّائدة.
.
لم أشهدْ نهراً عريضاً مخيفاً كما شهدتُ ذاك المساء. كان عريضاً كتنّين فغر فمه لابتلاع الفرسان الذين يسعون إلى امتطاء أذيالِه الطّويلة السوداء الدّاكنة بغير قرار. كان نهراً عميقاً يبعثُ الرّهبةَ في نفوس ركّابه، كغورٍ لا يشبع من ابتلاع الأشياء! هكذا كان نيل مصر العظيم... بدأ المركبُ الطّويلُ يشقُّ العبابَ الخجول لقلّة الرّياح، وأصوات السّامرين فوق الكوبري والأضواء المنبعثة من المراكب أضفتْ على مشهدنا جواً مصرياً بلدياً مليئاً بالرَّوح والرّاحةِ والرّيحان.
.
رفعَ ريّسُ مطيّتنا صوت المسجّل فارتفعَ الصّخبُ ينادي بالأغاني البلديّة وسمعتُ مطرباً لا يُطربُ يقول: "عَمّال تِغلَط في النّاس ليه، خُدلَك كرسيّ واقعد عليه". ولذلك حملتُ وسادة ورميتها عند مقدّم المركب الحديديّ وجلستُ مع البقيّة أتأمّل في كلّ شيءٍ: السّماء والنّيل الدّاكن والأبنية الشّاهقة المضاءة والمراكب الصّاخبة المارّة بالقرب منّا وأحاديث الأصدقاء... نسيتُ في غمرة ذاك الجمال نفسي ومتاعبي ومشاغلي وتمنّيتُ البقاء في ذاك المكان بلا انتهاء!
.
ارتفعت الفنادق الضّخمة تضيء عتمة الأمواج الهادئة، وتحدّث عن السّياحة في العاصمة المصريّة وكثرتها، فهذا هو الهيلتون وذاك الشيراتون فالفصول الأربعة الذي فاجأني بوجوده في هذا المكان، إذ يُعتبر من النّزل القليلة في العالم بنجومه السّبعة التي تزيّن صدره. وعلى بعدٍ منّا برز برجان مرتفعان متّصلان أخبرني صديقي أنّهما يعودان إلى ملكيّة نجيب ساويريوس أغنى أغنياء مصر. كنّا نجتاز الكباري الإسمنتيّة الضّخمة الرابطة بين القاهرة المنفصلة على يدِ الجزّار الإفريقيّ الغارس مديته في قلب ضحيّته المسكونة.
.
انتهت السّاعتان على عجلٍ كأنّهما برقٌ لمع وخفتَ وبقي نورُ شرارتِه منعكساً في عيون النّاظرين. وآلمني أن نعودَ بهذه السّرعة. نزلنا جميعُنا وكنتُ آخر الرّاحلين، نفحتُ الكابتن (الريّس) ما تبقّى من "الفكّة" وتلك السيجارة الوحيدة التي صمدتْ في علبتي حتّى المساءْ.
.
في المنزلِ جلستُ أمام رفيقَ دربي الإلكتروني لأخطَّ هذه السّطور وأحدّث عن النيلِ واهب الحياة والجمال والاستمرار. هذه هي مصر هبة النيل كما وصفها نابليون. وعند الواحدة توقّفتُ عن الكتابة وجلستُ أمام التلفاز أرقبُ لميسَ وهي تسمعُ قصّة تيم عبّاس كما هو على حقيقته!

الثلاثاء، مارس 17، 2009

الزّواجُ المختلط في السينما والتلفيزيون

شاهدنا في الأشهر القليلة الماضية، تجارب فنية في الدراما العربية، على شكل موجة من الأفلام والمسلسلات اليومية، ظهرت أمامنا على شاشات التلفزيون تباعاً في إطارٍ فنيٍ سائغ، وطرحت قضايا عن الإرهاب؛ فاستحوذت على تفكير الناس من مختلف فئات المجتمع. ثمَّ ما لبثت هذه الموجةُ أنِ انحسرت بعد مضيّ تلك الأشهر القليلة، لتعقبها موجة جديدة، حملت إلينا قضية قديمة جديدة، هي قضية: "العلاقة بين المسيحيين والمسلمين في المجتمع العربي الواحد".
.
وربما كانت الأحداث التي شهدناها في الفترة الأخيرة: كالتوتّر الطائفي المستعر، وحمّى حوار الأديان التي اجتاحت المنطقة؛ هي التي دفعت بعض المخرجين والكتّاب، إلى أن يقوموا برصد هذه القضايا والأحداث، ثم صوغها في قالب أدبي- فني خاص، أرادوا له أن يكون جذّاباً ينقلها من حيّز نشرات الأخبار المملّة، إلى عالم السينما والتلفيزيون الواسع الممتع، الذي يدخله الناس في بلادنا من جميع الأعمار بشغف واهتمام.
.
وقد أظهرت هذه التجارب الفنية جرأة غير مسبوقة في تناول هذه القضية التي تتمتع بحساسية مرهفة، أمام المشاهد العربي. إلا أنّها -مع الأسف- فشلت في فهم الأسباب التي أدت إلى ظهور وتفاقم المشكلة، ووقفت وكأنها عاجزة عن فهم طبيعة الصراع الديني القائم في الشرق العربي، وعن تفسير الدوافع التي تحرك الناس هناك إلى التشدد والتعصب والتطرف.
.
ولعلّ السبب في هذا الفشل، يعود إلى سببين رئيسين، أولهما: الخوف من الخوض في عمق أعماق قضية الصراع الديني الملتهب أو الخامد في واقع عربي تسيطر عليه أنظمة سياسية، لا تسمح لأهل الفن والكتاب عادة بتخطي الحدود التي ترسمها لهم، ولا سيما الحدود التي يمكن أن تسيء في نظرها إلى ما يسمى بالوحدة الوطنية. أضف إلى هذا الخوف من رجال الدين وعامة الناس الذين لا يتورعون عن إباحة دم كل من يقترب من (الخطوط الحمراء) للدين. وثانيهما: قد يعود إلى انحياز المؤلفين والمخرجين و المنتجين -وأغلبهم، إن لم يكن جميعهم، من المسلمين- إلى جذورهم الدينية، وإلى تعلقهم بتراثهم الثقافي والتاريخي، بحيث يشقُّ عليهم أن يروا الخلل والعيب في دينهم، أو أن يروا هذا الدين في قفص الاتهام. فلا غرو في أن يمضوا إلى معالجة القضية معالجة سطحية ضمن قوالب مسبقة الصنع متحيزة ، تفتقر غالباً إلى الموضوعية ، والصدق، وصحة الطرح.
.
فيلم "حسن ومرقص" الشهير -على سبيل المثال- كان آخر هذه التجارب السينمائية، التي أثارت مسألة الطائفية المستشرية في المجتمع المصري. وهو فيلم -إن شئنا الإنصاف– يخالف الدعاية التي تنفي وجود التمييز الطائفي في مصر، ويأتي بما يعاكسها، وقد أظهر بشكل واضح أنّ المصريّين منقسمون إلى فئتين؛ تحمل كل فئة منهما للأخرى في قلبها أحقاداً دفينةً ، ومواجد قابلة للانفجار في أيّة لحظة -وما الأحداث التي شهدتها مدينة الاسكندرية، إلا برهان ومثالٌ حيٌّ على وجود هذه الأحقاد- كما أظهر أنّ رجالَ الدين من كلا الطرفين (المسلم والمسيحي) لا يسعون إلى اجتثاث المشكلة الطائفية من جذورها، وإنما يسعون إلى التهدئة، ويكتفون بتقديم المسكّنات الكلامية المعسولة علاجاً لها.
.
وكان الفيلم في كلِّ هذا صادقاً، كما كان صادقاً أيضاً حين اعترف –ولو على مضض- بأنّ الأقباط يتجرّعون مرارة التمييز والاضطهاد والكراهية، من يد المسلمين شركائهم في الأرض والوطن، ويتعرضون منهم للإرهاب الفكري والجسدي معاً. ولكنه لم يكن صادقاً، حين جعل من الأقباط -وهم الضحية- جناة متساوين في الجناية مع المسلمين الذين هم أصل البلاء. فكأني به هنا يقصد أن يخلق انطباعاً مضللاً عند المشاهد، يوهمه بأن الطرفين متورطان بصورة متوازنة في الإثم، لينأى بنفسه عن الاعتراضات، والمساءلات، والاتهامات، ومواجهة الحقائق من جهة، وليخفف من ثقل الجرائم التي يرتكبها المسلمون تحت تأثير دينهم، الذي يروّج العنف في وضح النهار من جهة ثانية.
.
ولا بُدَّ لنا في هذا السياق، سياق التوتّر الديني الذي تعانيه المجتمعات العربيّة، من الحديث بشكل مركّز عن مسألة الزواج المختلط بين أتباع الديانتين؛ لارتباطها ارتباطاً وثيقاً بجملة العوامل التي تشحن المجتمع العربي بالعنصرية الدينية والطائفية. ولكي أتمكن من شرح وجهة نظري بأيسر الطرق، سأطرح فيما يلي مثالاً حديث العهد؛ هو مسلسل "ليس سراباً" لفادي قوشقجي (كتابةً) والمثنى صبح (إخراجاً) بوصفه واحداً من النماذج، التي نالت حظوةً كبيرةً في أعين المشاهدين؛ بفضل القضية المحورية التي عالجها، وهي قضية: العلاقة بين المسيحيين والمسلمين في المجتمع السوري عامة، وقضية الزواج المختلط خاصة، ولا ننسى فضل النخبة المحبوبة من نجوم الشاشة الفضيّة المشهود لها بالإبداع .
.
(حنان وجلال): امرأة مسيحيةٌ، ورجل مسلم، جمعتهما قصةُ حبّ متبادل. وكان كلاهما فيما مضى قد خاض تجربة زواج فاشلة. (جلال) الصحفي والكاتب العلمانيّ، يمثّل فئة الليبيراليين التنويريين، واحدٌ من أولئك الذين يتصدون بشجاعة للمدّ الإسلاميّ (المغالي) في التطرّف. وحنان المرأة الشابة الجميلة التي تعيش وطفلتها -بعد انفصالها عن زوجها- في أحضان عائلتها المتعصّبة لمسيحيتها، عائلتِها المكوّنة من أبيها (الغاضب المتجهّم دوماً) وأمّها (البائسة الخانعة). وهذه المرأة الشابة ستحاول جاهدة في هذا الجوّ المكفهر، أن تخترق الحواجز الشائكة، وأن تنشِّئ ابنتها على حبّ واحترام الآخر المخالف لها في العقيدة والثقافة.
.
وكان مَثَلُ هذا المسلسل كمثل فيلم (حسن ومرقص) فإنّه مع كلّ ما حصد من الجوائز وما نال من الترشيحات والألقاب (أفضل نصّ، أفضل ممثل، أفضل ممثلة) لم ينجُ من الثغرات والأخطاء التي ارتكبت فيه عمداً أو سهواً. ولسوف تساهم هذه الأخطاء والثغرات في سقوطه بلا ريب إلى مرتبة "الفقاعة الدرامية" التي يزول أثرها من نفس المتلقّي، حالما تهبط شارة النهاية.
. ومن أبرز هذه الأخطاء التي وقع فيها كاتب المسلسل الشهير، والتي لا بُدَّ من ذكرها لتوضيح عناصر اللوحة الفكرية للمسلسل؛ أنه قام بنفس المحاولة الرخيصة الماكرة، التي قام بها من قبله كاتب قصة فيلم "حسن ومرقص" حين عمد إلى تزييف حقيقة ما يجري بين الطرفين، بأن أوحى للمشاهد بأن المسيحيين طرف فاعل في صراع طائفي صامت مع المسلمين، وأنهم يتساوون معهم في الذنب، وفي المسؤولية الاجتماعية والدينية عما يتفجر من التناقضات داخل المجتمع.
وهي تسوية جائرة بلا شك، مبنية على خطأ ربما كان مقصوداً. إذ لا يعقل أن يكون المسيحيون -وهم أقلية- متساوين في "الذنب" مع أكثرية مسلمة تطغى بقوانينها وشرائعها وأحكامها وسلوك أفرادها. وهي تفرض عقيدتها فرضاً على جميع مناحي الحياة وأنشطة الناس.
.
ويحوي المسلسل مشاهد مفتعلة غير صحيحة عن الحياة الاجتماعية للمسيحيين، دلت على جهل الكاتب بالعادات والتقاليد الخاصة بهم، وبطرائق تفكيرهم. ففي أحد المشاهد -على سبيل المثال لا الحصر- يظهر خال حنان، ويحاول أن يقنعها بالزواج من ابنه، بحجّة أنّه يريد"الستر عليها لكونها مطلّقة"! وهذا -كما لايخفى- تعبير مأخوذ من البيئة الإسلامية، وليس مألوفاً عند المسيحيين أو وارداً في معاجمهم.
.
فإذا عدنا الآن إلى مسألة الزواج المختلط، التي سبقت الإشارة إليها (وهي الطامة الكبرى في هذا المسلسل) وجدناها وقد تمّت معالجتها بطريقة ملتوية خبيثة، وبعقلية إسلامية لا ترى الوجود إلا بعينها، ولا تسمع الأصوات إلا بأذنها، ولا تتذوق الطعوم إلا بلسانها، ولا تشم الروائح إلا بمنخرها. قد ابتلاها الله بالغرور والتجبّر وضيق الأفق والسذاجة. فها هي تحاول في المسلسل أن تقنعنا -نحن الذين عايشنا هذا الواقع بجميع تفاصيله: المؤلمة والمفرحة، الصغيرة والكبيرة، الحلوة والمرة- أنّ العقبة التي تعترض الزواج المختلط، عقبة اجتماعية، مصدرها العادات والتقاليد، وأن الزواج المختلط خيار فردي لا يمسُّ بنتائجه سمعة العائلة، التي أقدم أحد أفرادها عليه، إلا لأن فيه خروجاً على المألوف من التقاليد فحسب، وأنّ تعصّب كلّ طرفٍ لدينه، ناشئ عن مؤثرات خارجيّة، أو ظروف اجتماعية، أو حالات فرديّة استثنائية لا صلة للدين بها.
.
وقد تجلّت في ردود الأفعال التي صدرت عن شخصيات المسلسل، عقب زواج بطليّ المسلسل، صورة واضحة لهذه الذهنية الإسلامية التي تزن الأشياء بغير ميزان العدل : فالشخصيّات (مسيحية كانت أم مسلمة) التي اتسمت ردود أفعالها بالهدوء والاتزان، وتقبلت فكرة الاختلاف، واحترام خيارات الآخرين، ستكون بالضرورة إيجابية خيّرة بعيدة عن التعصب، وعلى جانب عظيم من الوعي والانفتاح والثقافة والرقي، وأمّا الشخصيّات (والد حنان مثلاً) التي اتسمت ردود أفعالها بالهيجان والانفعال والغضب والثوران، ورفضت المساومة في هذا الشأن، ولم تبد شيئاً من التساهل والليونة والمرونة و التسامح، فستكون بالضرورة شخصيات سلبية مكروهة، لا تتمتع بخصال حميدة، وليس لديها وعي منفتح، ولا موقف سليم.
.
وهذا فرز للمواقف من خلال الشخصيات، ينطلق فيه الكاتب من نظرة أحادية الجانب، تتفق مع انتمائه الديني. وسوف يحاول تمويهها بقشور علمانية، ولكنها ستنكشف أمام الافتراض التالي: ماذا لو تغير المشهد هنا؟ وتغيرت عقيدة أبطاله الدينية، فصارت المرأة الشابة "حنان" مسلمة، وصار "جلال" المسلم مسيحياً؟ فهل كان الكاتب سيجرؤ حينئذ على تصوير المشهد هذا بمثل ما صور به المشهدَ السابق؟ هل كان سينظر إلى زواج المسلمة هذه النظرة المتسامحة الرضية المتعاطفة المتفهمة المشجعة؟؟ لا، لا نظن الكاتب يجرؤ على أن يُقدِم عليهما. ولذا إنّ من حقنا كمسيحيين أن نتساءل باستنكار: لماذا يحق للمسلم ما لا يحق للمسيحي؟ ومن حقنا كمتفرجين أن نتساءل: لماذا لا نشاهد في الفضائيات مسلسلات وأفلاماً، تعالج زواج المسلمة من المسيحي أو من غيره؟ ومن حقنا كنساء أن نتساءل أيضاً: لماذا يحق للرجل المسلم أن يتزوج في غير دينه، ولا يحق للمرأة المسلمة أن تتزوج في غير دينها؟ أين العدل؟ أين المساواة؟ أين حقوق الانسان؟ أليس من حقنا في النهاية كمواطنين ورعايا في بلدان دينها الإسلام، أن نحمي أنفسنا من عنصريته وتجبّره علينا بشرائعه التي تخالف مبادئ الأخلاق الانسانية المتحضرة؟ فنرفض الزواج المختلط من طرف واحد. لا لأنه يؤذي مشاعرنا الدينية، بل لأنه يؤذي كرامتنا قبل كل شيء. فالجار الذي يحلُّ لنفسه من مال جاره وممتلكاته وحرماته، ثم يمنع عليه ما أحله لنفسه من ماله وممتلكاته وحرماته، هو رجل متجبّر، مستكبر، يحتقر المجاورَ له ويزدريه، ويطعن في شرفه وكرامته. وإلا، فإنْ رضينا، فإننا نكون بهذا الرضا، أقررنا بصحة قانون الأحوال الشخصية الخاص بالمسلمين، وفضلناه على غيره من القوانين، فأسهمنا في تعزيز مكانته، ودوام سلطته.