الجمعة، مايو 28، 2010

سجنُ الحياة... !!

أسبوعان ويلفظُ هذا العام أنفاسَه الأخيرة! تتلوه شهقةُ عامٍ جديدٍ يُدركُ الحياةَ ويرى النّورَ في قلبِ الشّتاء... في قاعةِ الانتظار، بين المسافرين جلستُ أترقّبُ ساعةَ السّفرِ. جدرانُ القاعةِ الخشبيّة، ومقاعدها المصطفّة الفارغة والمشغولة، ولوحة قلعة الحمدانيّين؛ جميعُها تنتظرُ معي، وأنا بينها لا أملُّ من الانتظارِ أو الترقّب! اللغةُ التركيّةُ تملأ الأجواءَ، وأشكالٌ وأجناسٌ من البشرِ مختلفةٌ تُعدّ العدّة نحوَ اسطنبول عاصمة أطلال بيزنطية وبقايا العثمانيّين.

إن بقيتُ العمرَ كلَّه منتظرًا فلن أتململَ، مثلَ سجينٍ قابعٍ في عتماتِ سجنِه البارد الرّطبِ المليءِ برائحة الموت! ما الفرقُ بين حرٍّ طليقٍ ينتظرُ شيئًا ما، وسجينٍ أسيرٍ ينتظرُ الحريّة؟ وإن تساوى هذا بذاك فلا معنى لوجود الأوّل حرًّا ولا معنى على الإطلاق لحريّته الزّائفة! وأنا أشعرُ اليومَ بأنّي سجينٌ أُعدمَ فرحَ البقاء، أحدّقُ بإنسانيَ المحدود في لحظتين: لحظة الولادة بلا اختيارٍ ولحظة الموت بلا اختيارٍ أيضًا... ما معنى إذًا الحديثُ عن حريّة الإنسان وإرادته وفرادته وهو قد أُعدمَ اختيارَ لحظتي وجودِه وعدمِه، لحظتي دخوله بابَ الحياة وخروجه منه؟! أيُّ وجودٍ هو هذا الذي يبأ بقيدٍ وبكاء، وينتهي بهرمٍ وفناء؟!

ما أن يشرع الإنسانُ بالحياة حتّى يروح يترقّبُ ساعةَ الموت، ساعة العدم بلا عودة! ومَن ذا الذي راحَ ثُمَّ عادَ وحدّثنا عن اللاعودة؟ أليسَ هؤلاء الذين شنّفوا آذاننا بالحديث عنها بشرًا لم يذوقوا طعم الفناء بعد؟ فكيفَ لهم أن يصفوا لنا ما لم يروه بأنفسِهم؟! هل يُدرك المؤمنون أنّ الإنسان لا يكون كذلك بعد الموت؟! ألا يروا جسدَه كيف يفنى على مهلٍ تحت التّراب؟! يقولون: هي الرّوح تبقى! وما هي الرّوح وأين هي؟! كيف ألمسها وجسدي ترابيٌّ من التّراب يأتي وإليه يعود؟ هل لمستَ روحك يومًا؟ أم هل اشتممتَ روائحَها؟ قلّي إن كنتَ رأيتَها أو سمعتَها أو تذوّقتَها؟! وإن كانت حواسّك الخمس لا تعرفها فكيفَ لعقلِك أن يتباهى ليلاً نهارًا بالحديث عنها؟ أليسَ العقلُ حواسًّا أم هل هو من شيءٍ آخر؟ ما أصعبَ أن يقودَك عميانٌ وأنتَ أعمى! هذه هي مأساةُ الحياة.

الثلاثاء 15 كانون الأوّل (مطار حلب).

الأحد، مايو 23، 2010

عارُ الكتابة

الأحد 16 أيّار 2010 (لا مكان)

.

أعادني دفتري إلى الحياة من جديد، ولدني ولادة ثانية في عالمِ القلمِ والورق. أمّا دافعي إلى الحياة فكانَ قراءة ثانية في كتاب "يوميّات غجريّ لا يجيد الرّقص". ولربّما اخترتُ أن أقرأه ثانيةً لأنَّ كاتبَه يقصُّ علينا من خبرات الفقر وتجارب القرويّ المعدَم الكثير، ولأنّه عاشَ صراعًا من نوعٍ فريد فطلّقَ رتبتَه الكنسيّة وتزوّج... تعجبني حريّته، وصراحتُه، وصدقُه، تُعجبني شجاعته، وتلك المقولة التي ما برحت تتردّد في ذهني "ما أصعبَ أن تسيرَ طويلاً في طريقٍ لا تؤدّي إلى المدينة"!

.

شدّني هذا الغجريُّ الذي لا يجيدُ الرّقص، لكنّه يجيد أشياءَ أخرى وببراعةٍ تامّة. قد يخلقك اللهُ غجريًّا، لكن ليسَ بالضّرورة أن تجيدَ الرّقصَ منذ الولادة، وإن لم تفعل، ضللتَ الطّريق! ثقافة الكاتب الواسعة ومعرفته الممتدّة كبحرٍ لا أفق له، وأدبه الممتع سردًا ولغةً؛ كلّ هذا جعلني أشعرُ في قرارةِ نفسي بتفاهة تلك السّطور التي دوّنتها، تلك التي سمّيتها "يوميّات"، وهي في الحقيقة لا تستحقُّ أن تُرمى تحت أقدام خنازير في حظيرة مغلقة نتنة. أشعرُ بحاجةٍ إلى حذفِها، بل إلى قتلِها بمديةٍ مغموسةٍ بسمّ الأصائل، حتّى ولو كانت مديةً إلكترونيّة، كما يقتلُ الرّجلُ نفسًا غسلاً لعارِه، غسلاً لشرفٍ تلطّخ بالدّنس والخطيئة. وهذه اليوميّات خطيئة أدبيّة وعارٌ، ومن واجبي كشرقيٍّ ،رأسه محشوّة بأفكارٍ عطنة، أن أقتلَها، أن أطعنَها حتّى الموت، وأن أمسحَ دماءَها المنسكبة على مديتي بلساني متلذّذًا بطعم الجريمة... قبلَ أن أصيرَ مضغةً في أفواه الشّرفاء، وأعني بهؤلاء صيارفة الأدب وصاغة اللغة. ما هو الشّرف في عالم الرّجل؟ وكيفَ يصيرُ فجأةً عارًا والشّرفُ أبعدُ ما يكون عن العار؟ أين الوسيط؟ أهي الخطيئة؟ وما هي الخطيئة؟ ما لا يقبله مجمع التقاليد وحاخامات الأديان ولصوص النّظم والقوانين؟! فبالخطيئة ينقلبُ الشّرفُ عارًا بعدَ أن يتعمّد في مستنقع الأدناس والأرجاس. أين صرتُ؟! وما الذي دفعني لمناقشة قضيّة الشّرف والعار؟! آه... هي تلك اليوميّات التي كتبتُها، وشعرتُ برغبةٍ عارمة في قتلِها، كشعورِ جنديٍّ يدافعُ عن شرفِ وطنِه. عُدنا إلى الشّرف! هل يكونُ الشّرفُ في قضاء الواجب أم في تلك المفاهيم البائسة التي يروّج لها مجتمع الحرام والحلال؟ إذا كان هذا أو ذاك فهو نسبيّ، فلا شرفَ مطلقًا، ولا عارَ مطلقًا... فما هو شرفٌ لديك عارٌ عندي والعكس صحيح. وما كتبتُه قد يكون شرفًا عندَ المتمعرف، أو عارًا عند العارف، لكنّه كُتبَ بأيّة حال... ما علاقة الشّرف والعار بمسألة أدبيّة فكريّة؟! لنسأل أصحابَ القلمِ المفكّرين: هل شعروا بعارِ الكتابةِ أو خزي القلمِ يومًا؟

.

حقولٌ ممتدّةٌ صفراء

تنتظرُ الحصاد!

وسماءٌ زرقاء

لا غيمَ فيها ولا انتظار!

وأعمدةٌ خشبيّة

تغرزُ مداها

في قلبِ الأرضِ بلا رحمة.

حصّاداتٌ تعمل

وحصّادون يعرقون

وهم يلملمون ما تبقّى

من غلالِ صيفٍ أقبل

بيوتٌ طينيّة متناثرة

لا أشجار حولها

وسفوحٌ بعيدة

وحجارة على طول الطّريق

ألوانها الباهتة

تدفعُ القيء في وجوه النّاظرين

أشواكٌ كثيفة متجمّعة

تلامس الأرض

وتحسد السّنابل

أغنامٌ ترعى

وراعٍ يستريح

وكلابٌ مضطجعة

تحت وهج الشّمس

والمدنيّة البعيدة

ترفعُ بأسلاكها الممتدّة

آيات الغلبة

على آلهة الأرض

هذا ما شاهده مسافر

في حافلة على طريق.

الأحد، أبريل 18، 2010

خدمةُ "إجابات جوجل" العربيّة: حظرٌ دينيٌّ جنسيّ

عرّجتُ، في أثناءِ تصفّحي مواقعَ إلكترونيّة متعدّدة، على مدوَّنةِ صديقٍ لي تُدعى "وطن النّور والظّلمة"، فوجدتُه كتبَ مقالاً جديدًا يُحدّثنا فيه عن الخدمة التي طرحتها شركة "جوجل" الرّائدة، وهي خدمة "إجابات"، دخلت العربيّة أوّلاً بلفظٍ مصريٍّ egabat، ثُمَّ عُدّلتْ لتصبحَ ejabat. وهي خدمة توفّر للروّاد طرحَ الأسئلة والأجوبة التي تراود أفكارهم. وقد وُضعت الخدمةُ على أساس "التنافس" بين الأعضاء الكثر، فبمجرّد أن تدخلَ نظامَ التّسجيل تكسبُ نقاطًا تخوّلك طرحَ الأسئلة التي تريد، وكلّ إجابةٍ تؤتيها تمنحك نقطتَين، وإذا اختيرتْ إجابتك لتكون الفضلى بين الإجابات كسبتَ النّقاط المطروحة ضمن السّؤال وهي تتراوح بين 5 و99 نقطة. ثمّة مصادر أخرى للفوز بتلك النّقاط الثّمينة وهي تقييمك الإجابات، ودخولك اليوميّ إلى الخدمة... إلخ. ولكلّ عضوٍ رصيد آخر يُدعى "السّمعة" يرتفعُ معدّله نقطتين عندَ اختيارِ إجابته بين مجموعة الإجابات. اليومَ يبلغُ رصيدُ نقاط الأوّل 108585 نقطة، ورصيدُ سمعة الأولى 18733 نقطة، وهي أرقام ضخمة تفيد في معرفة عدد السّاعات التي قضاها هذان ضمن هذه الخدمة.

.

ما استوقفني في حقيقة الأمر هو هذا الحظر الدينيّ والجنسيّ على "الأسئلة" المطروحة، وقد دهشتُ كثيرًا حين أدركتُ أنّ شركة أميركيّة عملاقة (ضمن إدارتها العربيّة) تفرضُ نقابًا من نوعٍ جديد يغلّف العقولَ ويمنعهم من التفكيرِ في المسائل الدينيّة الإسلاميّة والقضايا الجنسيّة أو تلك التي تحملُ مفرداتٍ أدبيّة جنسيّة اُستعملت، وما زالت، في الأدبِ العربيِّ وفي شتّى الكتب والمقالات. حدثَ هذا حينَ طرحتُ سؤالاً تجريبيًّا أضعُ فيه "القدرة الإلهيّة" وجهًا لوجه أمام مسألة الشرّ. سألتُ: تصرّحُ المعتقدات الدينيّة بأنَّ اللهَ كليُّ القدرة، فهل يستطيعُ اللهُ أن يصنعَ الشرَّ أو هل يُمكنه أن يكونَ شرّيرًا؟! انهالت عليَّ فورًا إجابات التّكفيرِ والتحريمِ، وبعدَ عدّة ساعات حُذفَ السّؤالُ من أصلِه وأُنقصَ رصيدي عشر نقاط جرّاء هذه المخالفة. وتكرّر الحذفُ فالمخالفة حينَ طرحتُ سؤالاً حول زواج الصّغيرات الذي يبيحه القرآنُ في آيته الرّابعة من سورة الطّلاق، مع العلم أنّ كلَّ ما يتعلّق بالمسيحيّة واليهوديّة من نقدٍ وشتمٍ يبقى أبدًا دون حذفٍ أو تنبيه!

.

قنعتُ رغمًا عن أنفي بما قسمه أصحابُ الأمر، والتفتُّ إلى الأدبِ فاستللتُ من كتابِ "المُستطرف في كلِّ فنٍّ مُستَظرف" لأحمد الأبشيهيّ بيتًا من الشّعرِ طرحتُ أوّلَه في صيغةِ سؤالٍ ثُمَّ دعوتُ القرّاء إلى إكمالِ البيت، وكانت النتيجة حذفًا جديدًا ومخالفة أخرى. مطلعُ البيتِ يقول: "ليتَ شعري هل بَغَتْ عُلَيَّة؟". والموقعُ أبى أن يقرّح عيونَ القرّاء السّليمة بكلمة "بغت"، فيفسد أخلاقهم العربيّة الطّاهرة. ويحضرني السّاعة قولٌ للإمام الحافظِ ابن قتيبة الدّينوريّ في مقدّمة كتاب "عيون الأخبار"، كنتُ ذكرتُه في الماضي في أثناء حوارٍ مع صديقٍ لي حول ذكرِ العورات، جاء فيه: "وإذا مرَّ بكَ حديثٌ فيه إفصاحٌ بذكرِ عورةٍ، أو فرجٍ، أو وصفِ فاحشةٍ؛ فلا يحملنّك الخشوعُ أو التخاشعُ على أن تصعرَ خدَّكَ وتعرض بوجهِك فإنَّ أسماء الأعضاء لا تؤثم وإنّما المأثم في شتمِ الأعراض وقول الزّور والكذب وأكل لحوم النّاس بالغيب". رحمَ اللهُ أيّام الدّينوريّ!

.

ويحملنا هذا الأمر على التفكير في الحالِ التي وصلنا إليها، فكريًّا وثقافيًّا وأدبيًّا، فباتت قواعدُ الرّقابة الدينيّة والجنسيّة تقتصُّ من كلِّ ما يخالفُ مقاييسها الضيّقة، فتقتطع من دواوين كبيرِ الشّعراء "المتنبّي" المنشورة تلك الأبيات التي أتت على ذكرِ عورةٍ وفرجٍ حين هجا "ضبّةَ" في قصيدةٍ تسبّبتْ في قتلِ صاحبِها؛ وتغلق أبوابَ التفكيرِ المشرّعة أمام أيّة مسألةٍ تتعرّضُ للهِ وشرائعِه الجامدة. ألم يصدقْ جبرانُ حينَ قالَ بموت اللهِ في قلوبٍ من مثل قلوبِ هؤلاء؟! ألم يصوّر حال الأمّة العربيّة بقولِه: ويلٌ لأمّةٍ سائسُها ثعلبٌ وفيلسوفُها مشعوذٌ وفنُّها فنُّ الترقيعِ والتّقليد؟!

الخميس، أبريل 01، 2010

خمسة أيّام في العراق تحتَ الحرب (2 / 2)

حالما دخلنا المدينة توقّفنا بالقربِ من مقهى فيه بضعة رجال سألنا أحدهم عن فندق بابل فأجابنا بكرديّة لم نفهم منها إلا القليل، وبمعونة إشاراته وإيماءاته عرفنا الطريق، فبلغنا البيتَ بعد دقائق لم تخلُ من عناء. سلّمنا على أصحابِه الذين يمتّون بصلةِ القرابة إلى أبي بشّار، وبعدَ استراحةٍ قصيرة تخلّلتها القهوة العربيّة خرجنا في زيارةٍ قصيرة إلى سوقِ المدينة، وهناك جذبني السجّادُ الفارسيُّ بألوانه الحارّة والنّقوش التي تزيّنه، ولم يطل الأمرُ حتّى انطلقنا متّجهين إلى زاويثا بحسب الخطّة المرسومة!

.

خرجنا من دهوك عندَ منتصف النّهار لنعبرَ الجبالَ نحوَ الشّمال من جديد. كانت الأوبّل الألمانيّة تزمجر وهي ترتقي تلك المرتفعات المزيّنة باخضرارٍ لا مثيل له، وتقتربُ من زاويثا المشهورة بنوعٍ فريد من أنواع شجر الصّنوبر، ومعها سحنا في أحضان طبيعةٍ تضمُّ كرومًا ولوزًا وشعرنا أنّنا فعلاً في خدرِ العراق الحقيقيّ. بلغنا مقصدنا في زاويثا وفيها توقّفنا والتقطنا صورتَين ثمَّ أخذنا الطّريقَ صعوداً نحوَ "سره سنك". ثُمَّ مررنا ببلدة "سوارا توكا" وسيّارتنا تواصل ارتقاءَها كسيزيف دافعًا صخرته بلا كللٍ أو ملل، وفي أعلى هذه البلدة نزلنا حيثُ عثرنا على مطعمٍ واستراحةٍ صغيرةٍ تنعشُ تصلّب جسدَينا! رحتُ أنا آخذُ الصّورَ للوادي والجبال العملاقة المخوفة بينما أفرغَ أبو بشّار تعبَه في سجائره عراقيّة الصّنع! جلسنا في زاوية الحديقة وشربنا الشّاي وبدأ قريبي يقصُّ عليَّ شيئاً من طفولته التي يذكرها بحسرة، عندما كانَ يُرافق أباه في أعمالِه التي صرفها في هذه المنطقة في بناءِ المصايف والمطاعم لسنوات خلت.

.

تركنا المكانَ بعدَ وقتٍ ملأته أحاديث أبي بشّار العذبة وخفايا طفولته وشقاواته، وانحدرنا هذه المرّة نزولاً نحوَ "سره سنك"، وعلى قمّة جبلِ "جارا" رأينا أحدَ قصور الرّئيس الرّاحل. وبالقربِ من ذاكَ المكان مررنا بأرضٍ مسوّرة بحجارةٍ صفراء متينة عرفتُ لاحقاً أنَّ هذه الأرض ليست سوى بقايا قصرٍ صدّاميٍّ آخرَ لم يعدْ موجودًا اليومَ بعدما نهبَ الأكرادُ حجارتَه وقسمًا كبيرًا من حجارةِ سورِه ليبنوا بها منازلَهم! لفحنا هواءٌ رطبٌ قادمٌ من بحيرة قائمة على سدٍّ صغيرٍ توقّفنا عندَها لحظات وسحبتُ آلة التصويرِ وصوّبتها نحو المياه وضغطتُ بسبّابتي إلا أنّها خانتني في تلك اللحظة وتعطّلت... شتمتُها شتيمةً سوريّةً ثقيلةً، وكدتُ أرمي بها على الأرض لولا أن قالَ لي أبو بشّار: لا تقلق سنجدُ في سوق البلدة فيلمًا أضعه في آلتي السّليمة! بالقربِ من شابٍّ نحيفٍ طويل فتحَ قريبي نافذتَه وقال: "عندي سؤال بَلا زَحْمَة! أكو مصوّر قريب؟!" رفعَ الشابُ يدَه مشيرًا إلى يسارنا وقال: "في السّوق"! وفي محلّ التّصويرِ اختلطَ الحابلُ بالنّابلِ فقد تعطّلتْ آلةُ أبي بشّار بعدَ وضعِ الفيلم الجديد، والمصوّرُ غائبٌ، وصبيُّه يشرحُ لنا بكرديّة ممزوجةٍ بإشارات يديه البهلوانيّة... وضاقَ صدري ونفذ صبري فقرّرتُ شراءَ واحدة جديدة ما زلتُ حتّى اليوم أحتفظ بها ذكرىً لتلك المصيبة. دفعتُ أربعًا وخمسين ألف دينارٍ أي حوالي ثمانية وثلاثين دولارًا وأخذتُ أيضًا فيلمين وضعتهما في جيبي وعُدنا إلى السيّارة التي سارتْ بنا صعودًا نحوَ "إينشْكي" وهي قريةٌ مسيحيّةٌ صغيرة قريبة في شكلها وأزقّتها من قرى الوادي السوريّة القريبة من السّاحل.

.

في هذه الأثناء هاتفتُ أختي وتكلّمتُ معها كي تطمئنّ... ثمَّ نزلنا باتّجاه "سُلاف"، وفي الطّريقِ إليها، وأمامَنا مباشرةً، على بُعدٍ بعيد فوق ذروة الجبل، كأنّها مائدةٌ مستديرة اصطفّتْ عليها شتّى ألوان الطّعامِ؛ جثمتْ مدينةُ "العَمّاديّة"! أوقفَنا جنديٌّ وقالَ بالكرديّة: الطّريقُ إلى العَمّاديّة مقطوعٌ! فنزلنا "كلي سُلاف" ("كلي" كلمة كرديّة تعني "وادي" تلفظ الكافُ فيها جيمًا مصريّة)، ومن هناك برزتْ العَمّاديّة من جديد كتاجٍ يزيّن هامة الجبل مرصّعةً ببيوتها المرصوفة فيها كجواهر من كلِّ شكلٍ ولون. وبعدَ لأيٍ وجدنا الطّريقَ الموصلَ إليها، لكنّنا قبل بوّابتها الحجريّة انعطفنا إلى اليسار نحوَ "شيلادزَّه" وخلال الطّريق كنتُ أجوبُ بنظري الأنحاءَ فشاهدتُ لافتةً مكتوبٌ عليها "إلى كنيسة مار عوديشو"، وعندَ مفترقِ طرقٍ لمحتُ لافتةً أخرى تقول "عمليّات إزالة الألغام"، تظلّعتُ إلى أبي بشّارَ وأشرتُ إليها بدون كلمة، فقال وعيناه ترقبانِ الطّريقَ: تعودُ هذه الألغام إلى الحرب التي شنّها صدّام على الأكراد، ثمَّ سكتَ فسكتُّ معه وعدتُ إلى مشاهدي وتلك الخربشات التي خططتُها على وريقات كنتُ أحملها!

.

عندَ نهر الزّاب توقّفنا قليلاً وأخذنا بضعَ صورٍ بين حناياه الصخريّة، ثمَّ أكملنا الطّريقَ إلى شيلادزّه متخوّفين من نفاد الوقود، إلا أنَّ اللهَ منَّ علينا بمحطّةِ وقودٍ أشبعت السيّارة وأشبعتنا من الغبطة والارتياح، ومن عمّال المحطّة حصلنا على خريطة الطّريق إلى موضع التقاء الزّاب بأرضِ العراق. في الرّابعة والرّبع وصلنا المدينة المنشودة واجتزناها نحوَ الشّمال، لكنَّ اقترابَنا من الحدود التركيّة، وخلوّ المنطقة من البشر بعثا القلقَ في قلبِ مرافقي، فقال لي: سنعودُ أدراجَنا، ولم ينتظرْ جوابًا مني بل أدارَ مقودَ السيّارة وعادَ من حيثُ أتينا! وعلى ضفاف الزّابِ الأكبر جلسنا في مطعمٍ صغيرٍ تلامسُ مياهُ النّهرِ صخورَه، وأوصى أبو بشّار على "التكّة" وهي "الشّقف" السّوريّة، أي قطع لحمِ الخروفِ المشويّة! وفي الفترة التي أمضاها الشّاوي في إعدادِها نزلَ أبو بشّار إلى ضفّةِ النّهرِ الصّاخبة بهديرِ المياه المندفعة اندفاعَ سيلٍ عرمرم من جبلٍ عالٍ، فتبعتُه حذرًا من الانزلاقِ على الأرضِ المنحدرة المبلّلة بالرذاذ المتطاير، وبقربِه جلستُ على صخرةٍ نابتة في قلبِ التّراب أرقبُه بقلبٍ واجفٍ، فما كانَ منه إلا أن خلعَ نعلَيه ثمَّ جوربَيه وبدأ يغتسلُ في المياه الباردة المُنعشة. تاقتْ نفسي إلى ملامسة المياه ولكأنّها تبغي ملامسةَ الماضي والحاضرَ وكلَّ أمجاد هذه الأرض الخالدة، فخلعتُ أنا أيضاً حذائي ثمَّ جوربيَّ وقرّبتُ قدمي اليُمنى برجفةٍ من النّهرِ المليء بالأسرار والألغاز، وما إن احتضن التيّارُ الهادرُ القدمَ حتّى شعرتُ بأنّ النّهرَ قطعةٌ من الثّلجِ تذوبُ شيئًا فشيئًا، كانت باردةً إلى حدٍّ رفعتُ فيها قدمي مرّات قبلَ إعادتها من جديد إلى المياه، وبدأتُ طقسَ الاغتسالِ بنشوةٍ لم أعهد لها مثيلاً من قبل. المفارقةُ جعلتني أغيبُ عن المكان بفكري وبصيرتي، فالشّمسُ من علا السّماء تكوي الأرضَ بلهيبِ أشعّتها، والنّهر من قاعِ هذه الأرض يبرّدُ ما احترقَ ويُنعشُ ما ذبل.

.

كانَ الغداءُ لذيذًا فلم يبقَ في الأطباق شيءٌ، واللذّةُ المجبولة بجوعِ السّفر أتت على الفتات الباقي، وكانَ شرابُنا من ماءِ النّهرِ إمعانًا منّا في اقتبالِ هبة الخالق كما خرجتْ من بين كفّيه! لم أنسَ قبلَ الرّحيل تصويرَ المكان، فإن خانت الذّاكرةُ يومًا ولم تسعف في الإبقاء على ذاك السّحر والجمال، فالصّورةُ أوفى عهدًا ولا خوفَ عليها من فواجع النسيان.

.

عُدنا أدراجَنا قبلَ أن تُسدلَ الشّمسُ السّتارَ وتفسحُ بغيابِها مكانًا لكوكبِ الليلِ المتلألئ وسط نسيج السّماء الأسود. وفي طريقِ العودة مررنا بمدينة العمّاديّة، وتجوّلنا فيها بسيّارتنا، وعندما وصلنا مكانًا فسيحًا فوجئ أبو بشّار بدبّابتين جديدتين وحاملة جنود يلمعُ حديدُها تحت ما تبقّى من نورِ النّهار، علمنا أنّها تعودُ إلى جيشِ الأتراك القادمين لمحاربة "البَكَكَة". وهكذا بدأت شمسُ يومِنا ذاك تنفخُ في البوقِ معلنةً انسحاب جيوش أنوارِها إلى ما وراء الجبال، وأعدنا عبورَ الطّريقِ مرّةً أخرى فمررنا ببحيرةٍ من صنعِ قائدِ العراق الرّاحل، واسترحنا قليلاً في بلدة "سواراتوكا" في مَقْصَفٍ يعود إلى العهدِ الذي سبقَ استقلال دولة العراق الحديث، ثُمَّ أكملنا الطّريقَ نحوَ الجنوب.

.

وصلنا دهوكَ في الثّامنة مساءً وقمنا بزيارةِ رجلٍ عجوز مُقعَد من عائلة النجّار يعرفه أبو بشّار منذ زمنٍ بعيد، وما إن رآنا حتّى أخذَ يبكي كطفلٍ رضيع. ومن تلك الزّيارة التي فطرت فؤادي توجّهنا إلى دارِ الأسقفيّة حيثُ قابَلَنا صاحبُ عرشِ الكاثدرا بابتسامةٍ وطيبةٍ لم أعتدْها من أحدٍ في مثلِ هذا المنصب. عُدنا إلى نزلنا حيثُ حضرَ العشاءُ فأكلتُ والتّعبُ يأكلُ من جسدي كلَّ موضع، والوسنُ يثقل جفنيَّ ورأسي. وعندَ منتصفِ الليلِ استلقيتُ على الفراش متدثّرًا بالعتمات ورحتُ في نومٍ عميقٍ أنهيتُ بهِ يوميَ الثّاني في أرضِ العراق.

الاثنين، نوفمبر 02، 2009

المرصدُ الفرنسيُّ في بَلدة "خانيك" السوريّة

حملُ السّفر أخفُّ من الرّيشِ على كاهليّ، فقد عشقتُ الترحالَ وأحببتُ الخوضَ في بحارِ بلادٍ لا تعرفها نفسي، أجني منها وأغترفُ كلَّ ما أشتهي وأستطيب! كنتُ سمعتُ منذ فترةٍ طويلةٍ ببلدةٍ سوريّة صغيرة تقعُ على ضفافِ نهرِ دجلة على الحدودِ السوريّة مقابل بلدة "بيشخابور" العراقيّة تُدعى "خانيك". وعلمتُ أيضاً في ما بعد أنّها بلدةٌ سكّانُها كلدان لغتهم إحدى لهجات الآراميّة تنضمّ إلى مجموعة اللهجات المدعوّة "سُورَثْ". وبقيتْ زيارة هذه البلدة شهوةً في قلبي دامتْ ردحاً من الزّمن، حتّى آنَ أوانُها في خريف عام 2008. وهكذا حملتني حافلاتُ السّفرِ من بلدتي إلى مدينةِ القامشلي ومنها إلى ديريك (المالكيّة) ونزلتُ ضيفاً عندَ قريبٍ لي. عندَ الصّباح أقلّتنا سيّارةٌ نحوَ المقصَدِ في طريقٍ إسفلتيّ لم يدمْ طويلاً منه أخذنا اليمينَ في دربٍ ضيّقةٍ ترابيّة تمرُّ عبرَ حقولٍ وقرىً في غالبيّتها كرديّة. وهكذا قضينا تلكَ السّاعة في أرجوحةٍ بأربعة دواليب حتّى وصلنا أخيراً إلى المكانِ المنشود وقد لبسنا الغبارَ وابتلعنا منه ما يكفينا غداءَ ذاك النهار!
.
بعدَ تجوالٍ سريعٍ في القرية وبضع زيارات قمنا بها إلى منازلِ أهاليها امتطينا الطّريقَ راجلين نحو النّهر المنحدرِ من جبالِ تركيّا الشرقيّة المارّ بعنفِه المعتاد بالحدود الفاصلة بين سوريّة والعراق. "دجلة" هذا الاسم العابق بأمجادِ آشورَ ومن وحيه أخذَ الملوكُ الآشوريّون اسمَ "تِجْلَتْ" فتسمّوا به، ومنه أخذت نخلةُ التمرِ اسمها في الآراميّة "دِقْلَتْ"! كانَ ينبضُ بالحياةِ ودوّاماته المُرعبة تسخرُ بالسّابحين والأغرار، فأمّا مشيته فأقلّ ما يُقال فيها عدوَ فهدٍ خلفَ الفريسة. وما فريسةُ هذا النّهرِ الغامضِ سوى بشرٍ ومراكبَ وحتّى المنازل! خلعنا نعالَنا كما خلعَ موسى نعلَيه على الجبلِ المُقدَّس وخضنا في مياهه بتأنٍّ خوفاً من الانزلاق فالابتلاع، وسرنا في مياهٍ صافيةٍ إلا أنّها والمجهول سيّان، ورحنا نرقبُ كنيسة "بيشخابورَ" المنتصبة على التلّة وخلفها من بعيد برزَ منزل عزيز ياقو الشّهير.
.
عندَ مَقْدمنا وإلى اليمين لفتَ نظري مبنىً صغير يرتفعُ فوق أعلى جبلٍ بين تلك الجبال سألتُ عنه فورَ وصولِنا فأخبرني شابٌّ يافعٌ لوّحته الشمسُ فاسمرَّ يضعُ "يَشْمَراً" (شماخاً) على كتفيه وقال: هذا مرصدٌ فرنسيٌّ هُجرَ مذ رحلتْ فرنسا عن هذه البلاد! فسألتُه إن كنّا نستطيعُ زيارتَه فأومأَ بالإيجاب. وعندَ عصرِ ذلك اليوم أحضرَ الشابُّ نفسُه "بيكاباً"، وهو نوعٌ من السيّارات يغلبُ استعمالُه عندَ أهلِ الأرياف والقرى، فركبَ بعضُنا في مقصورته والبعضُ الآخر في الخلف، وأسرعنا في ارتقاءِ الجبل. كانَ علينا قبلَ الوصول اجتيازُ ثكنةٍ عسكريّةٍ سوريّة، أبقينا بقربِها السيّارة بعدَ أن حيّينا عساكرَها، وأكملنا صعودَ التلّة على الأقدام. وصلنا أخيراً مقطوعي الأنفاس لوعورة الارتقاء وأخذنا بعضَ الرّاحة قبل أن نبدأ في التعرّف على المرصدِ المهجور. كانَ عبارةً عن طاولةٍ شبه مستديرة تملأُ قمّة الجبل بأكملها على غرار مدينة "العمّاديّة" العراقيّة، وكأنَّ جلاداً قد قطعَ رأسَ هذا الجبل وأبقى منه الجسدَ، فكانَ المرصدُ يتربّعُ على كتفيه مسوّراً بسياجٍ مهدَّمٍ من الحجارةِ السّوداء. في وسطِ المكان وفوقَ صخورٍ سوداء ضخمة ارتفعَ مبنىً صغير لا يسعُ أكثر من خمسة رجالٍ وقوفاً، على شكلِ مثلّثٍ، يُرتقى إليه بثماني درجاتٍ، مشيّد بحجارةٍ صفراء على طرازٍ غريب أراه أوّلَ مرّة. شكلُ المبنى الهندسيّ المثلّث، وحجارته المرصوفة بعناية واتقانٍ فائقَين؛ يدلان على تلك اليد الفرنسيّة التي نصبته. فأمّا الشّكلُ المثلّث فيعود إلى هدفِ حمايته من الرّصاص أو القذائف التي قد تُصيبه. فجدرانه الثّلاثة المطلّة على أربعِ جهات، منحنية بشكلٍ يُخفّف من أثر أيّ صدمةٍ قد يتعرّض لها. وقيلَ لنا إنَّ المراصدَ العسكريّة المرتفعة صعبةَ المنالِ عن قرب، كانت تُبنى على هذا الشّكل تحسّباً من التعرّض لها عن بعد. وخصوصاً مثل هذا المرصد المبنيّ على رأسِ الجبل على شبه قاعدة لا يُمكن الاقتراب منه أو الوصول إليه براً بسهولة، فالتفكير في السّيطرة عليه لن يكونَ إلا جواً أو بهجومٍ برّيٍّ مكثَّف!
.
يُطلُّ المرصدُ على وادي دجلةَ كاملاً كما يُمكنه من مكانِه هذا الإشرافَ على جميع الوديان والجبال والتلال الصّغيرة. وكانَ أن أسرتْنا تلك المشاهد وأخذتْ من وقتِنا حتّى غابتِ الشّمسُ وشرعَ المساءُ بإرخاء ستارته معلناً انتهاءَ عرضِ ذاك النّهار! لم يكن لمثلِ هذه الرّحلة في بلدٍ مثل بلدي أن تُقضى دونَ أسفٍ أو ما يسلبُ قليلاً أو كثيراً من فرحتِها. فالإهمال البادي للعيان كانَ السبّاق إلى الترحيبِ بنا. فالسّورُ الحجريُّ الأسود لم يتبقَّ منه في أمكنة كثيرة إلا آثاره، وما يدلُّ على أنَّ سياجاً مرَّ من هنا. والغرفُ التي كانت مبنيّة بمحاذاة السّور مهدَّمة، بقيت منها أسس الجدران لا أكثر. فأمّا المرصد المثلّث الصّغير فقد تعرّض لسرقات أحجاره الصفراء المصقولة على يد عربِ القرى المجاورة، وما لم يستطيعوا نهبَه فقد هدموه إمعاناً في الخراب.
.
ذهبتْ فرنسا ورحلتْ وبقيتْ آثارُها تذكّر أصحابَ الأرض بأنَّ أكثر من ستّين سنةً مرّت وبلادُهم على حالِها، إن لم يكنْ إلى الوراء! بقي هذا المرصدُ الصّغير وبقاياه القليلة بعدَ أكثر من نصفِ قرنٍ على رحيلِ بانيهِ يقولُ للتاريخ: من هنا مررنا! ويقولُ لأبناءِ سوريّةَ ماذا فعلتم طوالَ تلك السّنين؟! كانَ المرصدُ فرنسيّاً في أبهى حلّةٍ وثوب، وبعدَ أن آلَ إلينا صارَ خراباً تأوي إليه الجرذانُ والبومُ في الليل، وأصحابُ قضاءِ الحاجات والخراء في النّهار! ألم يكنْ حرياً بمن يدّعي الحضارة والتاريخ الحفاظ على مكانٍ ومبنىً صغيرٍ جميلٍ مثل هذا؟!
.
ذكرَ لي الشّابُّ الأسمر أنَّ مجموعة من السُيّاح الفرنسيّين مرّوا قبلَ أعوام وعلموا بأمرِ المرصد فتاقوا إلى رؤيته وبعدَ أن صعدوا ورأوا ما رأيتُ ابتسموا! رسمَ المرصدُ وأطلالُه ابتسامةً حزينة على وجوه الفرنسيّين، وتركَ في قلبي غصّة عميقة وفي نفسي أسىً لن يزول! كانَ من الممكنِ أن يكونَ هذا المكان مقصداً يقصدُه السيّاحُ، لا بل كانَ لهُ أن يكونَ متحفاً واستراحةً تخلبُ ألبابَ الناظرين بمشهدٍ يُبدي وادي دجلةَ وكلّ جبلٍ ووادٍ مجاور! قد أكونُ حالماً في بلدٍ لا يعرفُ حرّاسُه وأبناءُه من معاني الثّقافة والحضارة إلا أسفلها وأدرك درجاتها، لا يعرفونَ منها إلا نهبَ أرضهم وبلدهم ووطنهم بكلّ ما فيه من ترابٍ وحجرٍ وشجرٍ وثمرٍ لا بل وبشر! يعرفونَ جيّداً كيفَ يكمّونَ الأفواهَ عن قولِ الحقيقة ونقدِ الفساد، ويعرفونَ أيضاً كيف يبرقعون العيونَ فيحرمونها من البصر، وبرقعة العيون أقلّ ما يُمكن أن يُقال في وطنٍ يقتلعها إن أخطأتْ يوماً فأبصرتْ! يعرفونَ كيفَ يكونُ قمعُ البشر وكيفَ يكونُ هدمُ الحجر، ولا يعرفونَ كيفَ يُحافظونَ على بلادِهم وأرضِهم وجمال ما فيها! عُدتُ باكياً بعدما أتيتُ باسماً... فآثارُ الغرباءِ تدعوكَ إلى الفرحِ وآثارُ أبناء وطنِك تُرغمك على البكاء!!!
.
ختاماً لي رغبة أقولُها وكلمة أختمُ بها فلعلَّ وزارة الثقافة أو وزارة السّياحة تصغي، فيها أسألُها بكلّ رجاء أن تحافظ على ما تبقّى لنا من تراب، فإذا ما خسرنا هذا الأخير خسرنا ما يُسمّى "الوطن"!
.