الاثنين، يوليو 18، 2011

طائرُ النّار وحكايات شعبيّة من الأدب الروسيّ

(هذه العجالة مهداة إلى الصّديق المستنير ضياء ابن نوفل).


فرسٌ نجيبة، ودنيا رحيبة، وذئبٌ أغبر، وطائرٌ ناريٌّ في قفصٍ ذهبيّ... بهذه التعابير تحدّثنا حكاية "طائر النار" إحدى حكايات الأدب الروسيّ الشعبيّة عن إيفان ابنِ القيصرِ بيرندي، بطلِ الحكاية الذي كاد أن يقبضَ على طائر النار سارق التفّاح الذهبيّ! وفي رحلةِ البحثِ عن الطائرِ الهارب يفوزُ إيفان، بمساعدة الذّئب الأغبر، بجميع المكافآت التي وُعدَ بها!

في الحكاية أربعة قياصِرة، بيرندي والدُ إيفان بطل الحكايات الشعبيّة، وصاحب شجرة التفّاح الذهبيّ، وافرون صاحب طائر النّار والقفص الذهبيّ، وكوسمان صاحب الفرس ذات العرف الذهبيّ واللجام الذهبيّ المرصّع بالحجارة الكريمة، ودالمات والدُ يلينا ستّ الحسن والدلال. لكلِّ قيصر في الذّاكرة الشعبيّة ميزة وكنز يميّزانه عن غيره، وإيفان هنا ينجح في الحصول على جميع تلك الكنوز.

أوصى بيرندي أولادَه الثّلاثة بالقبضِ على سارقِ التفّاح الذهبيّ ليلًا، وفي نوبتيهما ينامُ الأخوان الأكبران، ويسهرُ إيفان في نوبتِه لا شجاعةً ولا امتثالًا لوصيّة والدِه في القبضِ على السارق، بل خوفًا من النّومِ على الأرض. هذه هي حياة القصور، لم يتعلّم فيها ابنُ القيصر كيف يواجه خشونة الحياة، بل اكتفى برغد العيش ورفاهية الغنى، والطريف أنّه في نهاية الحكاية يزداد غنىً فوق غنىً. ويعمدُ إيفان، لطردِ النّومِ عن عينيه، إلى الاغتسالِ بندى العشب. يتردّد ذكرُ النّدى في الأدب الروسيّ كثيرًا، فهو سمة من سماتِه لشديد التصاق هذا الأدب بالطّبيعة ووصفِ تقلّباتها بين صيفٍ وشتاء، ربيعٍ وخريف. نذكر في هذا المجال صاحب الدّون الهادئ ميخائيل شولوخوف وكم من مرّة جاءَ على ذكرِ "النّدى" وقطراته في روايته "أرضنا البكر".

يمثّل الذّئب الأغبر في هذه الحكاية الملاك الحارس، والمعين الدائم، وشيخ النصائح في مختلف ثقافات الشّعوب. إلا أنّ إيفان لطمعه في امتلاكِ كلِّ شيء ثمين، ينسى نصائح الذّئب الأغبر مرّتين فيقع في الأسرِ على أثرها مرّتين أيضًايضًا، ولهذا يهمله الذّئب الأغبر في المهمّة الأخيرة، ويقوم بنفسِه بها فيختطف يلينا ابنة القيصر دالمات، ذات الحسن والدلال. إنّ الوصيّة في الحكايات الشعبيّة ونسيانها أسلوبٌ تعليميٌّ يعلّم الأطفالَ ألا ينسوا الوصايا لئلّا يخسروا الامتيازات أو المكافآت الموعودة. على علم النّفس ههنا أن يجيب على سؤالٍ أطرحه في جدوى ربط الوصايا بالمكافآت والجوائز!

هل يجبُ على البطلِ في كلّ حكاية أن يحصلَ على جميع الكنوز والامتيازات بالرّغم من الوسائل غير الشرعيّة كخداع القياصرة في هذه الحكاية؟! أليسَ الأمرُ دغدغةً لمشاعر الأرستقراطيّة والإقطاعيّة (في صورة القيصريّة) في مزيدٍ من الكسب مهما انحطّت الوسيلة المتّبعة في الوصول إلى هذه الغاية؟! وممّا يجدر ذكره كلمة خاطبَ بها القيصرُ كوسمانُ إيفانَ حين أقدمَ على سرقةِ الفرس ذات العرف الذهبيّ: "حتّى الفلّاح البسيطُ لا يُقدمُ على ذلك". وبهذا يجعل القيصر "الفلّاح البسيط" في أدنى طبقات المجتمع في روسيا القيصريّة.

يعود إيفان محمّلًا بالجوائز والكنوز فيلتقي، قبلَ أن يصلَ قصرَ أبيه، بأخويه العائدَين بخفّي حُنين! يحسدُه أخواه ويتآمران عليه ويقتلانه. لهذه الرّواية مصدرٌ دينيّ نجده في قصّة قايين وهابيلَ التوراتيّة، وكيفَ حسدَ الأوّلُ الثاني فقتله (تكوين 4: 1-16). إلا أنّها تنطبقُ أكثر وبصورة أبين على قصّة يوسف البارّ وأخوته، هؤلاء أيضًا حسدوه لكثيرٍ من الأسباب وتآمروا على قتلِه وأخيرًا اتّفقوا على بيعِه عبدًا (تكوين 37: 2-36). فأمّا الغرابُ، الذي يجلبُ ماء الموتِ وماء الحياة إلى الّذئب الأغبر لإعادة إيفان إلى الحياة، فهو رمزٌ ثريّ في التقاليد الدينيّة، نعثرُ عليه حين يرسله اللهُ في القرآن (5: 31) ليعلّم قايينَ (قابيلَ) كيف يدفن أخاه بعد قتله، وحين أرسلَه نوح بعد الطوفان فأخذَ يتردّدُ حتّى جفّت المياه على الأرض (تكوين 8: 7).

في الكتابِ أيضًا أربع حكاياتٍ أخرى، منها "الملكة الضفدعة"، ملخّصها أنَّ إيفانَ ابنَ القيصر يتزوّج بأميرة تُدعى فاسيليسا مسحورة في شكلِ ضفدع، تعود إلى طبيعتها وشكلها عندَ الليل. وفي إحدى الليالي يحرقُ إيفان جلدَ الضفدع فتختفي أميرته بحسبِ شروط السّحر وتصبح أسيرةً في قصرِ السّاحر كوتشي الأزليّ. وكي يعيدَ أميرته إليه وجبَ عليه أن يقتلَ كوتشي. تعينه على هذا الساحرة بابا-ياغا التي تخبره أنّ منيّة كوتشي الأزليّ على رأسِ إبرة، والإبرة في بيضة، والبيضة في جوفِ بطّة، والبطّة في جوف أرنب، وذاك الأرنب قاعد في صندوق حجريّ، وذلك الصندوق الحجريّ فوق شجرة بلّوط عالية. يُذكّرنا هذا النصّ بأغنية شعبيّة تلقى على مسمع الأطفال، جاءَ فيها: "لَيْمونِة يا لَيْمونِة، بابا جَبْلي لَيْمونِة، أَشَّرْتا وأَكَلْتا، وما طَعْميْت لَـحَّدْ منّا، واللي رايح عَ المكتب، جبلي شَأّوفة كَعْكِة، والكَعْكِة في الصَّنْدوء، والصَّنْدوء ما لو مفتاح، والمفتاح عند الحدّاد، والحدّاد فــ الطّاحونِة، والطّاحونِة مْساكْرَة، فيّا مَيّ مْعاكْرَة، هون مْأَصّ، وهون مْأَصّ، فيّا عروس ترأص رَأْص". تنتهي الحكاية بمقتل كوتشي واسترداد فاسيليسا والعيش معًا بسعادة وهناء.

الحكايتان الثّالثة "الفرسُ سيفكا بوركا"، والرّابعة "باسمِ السّمكة السحريّة" طريفتان، بطلاهما كسولان لكن طيّبان! تعلّماننا أنَّ الطّيبة وخدمة الآخرين لا بُدَّ من أن تُردّان إليك، والعملُ الدؤوب المتواصل بلا حظّ لا نفعَ لهُ، بيدَ أنّ المحظوظ ناجحٌ رابح بلا جهدٍ ولا عمل! تعيد هاتان الحكايتان على ذاكرتي المثل المتداول بين أبناء الجزيرة السوريّة "الـــْ ما لو حَظ لا يتْعَبْ ولا يشْقَى"! يختم الرّاوي الحكاية الرّابعة بجملةٍ ألفتْ سماعُها الآذانُ العربيّة، يقول: "وهنا تنتهي الحِكاية، ومَن سمعها ربحَ الرّاية". وهو أسلوبٌ سجعيّ تُختم به عادةً القصائد والحكايات في الأدب العربيّ الشعبيّ، كحكايات "ألف ليلة وليلة" وختامها الشّهير "وأدرك شهرزاد الصّباح فسكتت عن الكلام المباح"، وختام حكايات العامّة "وتوتِة توتِة خلْصتْ الحَتّوتِة". أذكرُ حين كنّا أطفالًا وكنّا نردّد قصائد الشّاعر السوريّ سليمان العيسى، كنّا نقول: "سليمان العيسى ياكلْ هَريْسَة". وأطفال حلب يقولون: "سليمان العيسى بيّاع الكوسا"!

نقتطفُ، ختامًا، من الحكاية الخامسة والأخيرة "فاسيليسا الفاتنة" وصفًا فريدًا لأوقات اليوم الثّلاثة: فالفارسُ الأبيضُ فارسُ الفجر (المطلع)، والأحمرُ فارسُ الشّمس (المشرق)، والأسودُ فارسُ الليلِ (المنتهى).

تتشابهُ أغلبُ الحكايات بوجودِ ثلاثة أبناء أضعفهم هو الأصغر لكنّه الأكثر حظًّا، وغالبًا ما تتّخذ الرّوايات الدينيّة الابن الأصغر للحصول على البركة ولتسلّم مقاليد الـمُلك والسّلطة كيعقوب أمام عيسو، وداود أمام إخوته. كما تتشارك الحكايات في استخدام اسم "إيفان" بطلًا عامًّا وهذا دليلٌ على انتشار الاسم وكثرة استعماله في تلك الحقبة الزمنيّة.

هناك 4 تعليقات:

ضياء يقول...

Diaa Noufal جديرة بالقراءة، مرة بعد مرة. شكراً يا سيمون، أعدت لي الذاكرة إلى الوراء عشرين سنة. وأثرت مواجع لا حصر لها. هذا الكتاب الذي شكل انعطافاً مهماً في حياتي الثقافية لا يزال معي، يظهر في كلماتي بين الفينة والأخرى. شكراً مرة أخرى، وسرّني أنه أعجبك فكتبت عنه.

لا أزال أتذكر قفطان ايفان الأحمر القاعد فوق المدفأة، ولا أزال لا أعرف إن كان القفطان يلبس في الرأس أم في الرجل (تفكيرات طفل صغير لم يجد إجابة عند أمه). لا أزال أتذكر شكل السمكة السحرية ذات الفم المدبب المخيف. لا أزال أتذكر الكلمات السحرية التي يلقيها أبطال القصص مرة وراء أخرى. ولا تزال تطن في أذني كلمة إيفان التي تلاحقني في كل مرة أمسك فيها قلماً: "ما بي رغبة".
هل تعلم أن اللغة الشعرية المستخدمة في النص (هي كانت شعرية بالنسبة لي كطفل صغير - وشكراً للمترجمين) حرّكت في حب اللغة وفتحت امكانيات واسعة للرسم بالكلمات؟ هل تعلم أن الرسومات الأصلية في القصة (وشكراً لدار رادوغا التي رفدت المكتبة العربية بعظيم الأدب الروسي) أثرت على المخيلة تماماً كما أثرت كلمات القصص؟
هل تعلم كم مرة أعدت كلمة فاسيليسيفا قراءة وكتابة حتى حفظتها وأصبحتُ أقولها بدون حتى أن أربطها بطائر النار؟ كم مرة حلمتُ بسيفكا بوركا؟
ذاك كان الزمن الذهبي، لي على الأقل، زمن الابداع، وزمن الخلق والتطور. زمن الآن هو زمن النيدو والفيسبوك والماجي وقنوات الشظ مظ.
أنى لنا أن نعود إلى زماننا؟؟؟؟؟؟

غير معرف يقول...

أرجو أن أحصل على نسخة إلكترونية منها على هذا البريد
alhakim.mhmd@yahoo.com

Mhmd Alhakim يقول...

أرجو أن أحصل على نسخة إلكترونية منها على هذا البريد
alhakim.mhmd@yahoo.com

Mhmd Alhakim يقول...

قرأت القصة وانا لا زلت طفل فهل يمكنني الحصول على نسخة الكترونية منها على بريدي mhmd.alhakim@gmail.com