الاثنين، نوفمبر 02، 2009

المرصدُ الفرنسيُّ في بَلدة "خانيك" السوريّة

حملُ السّفر أخفُّ من الرّيشِ على كاهليّ، فقد عشقتُ الترحالَ وأحببتُ الخوضَ في بحارِ بلادٍ لا تعرفها نفسي، أجني منها وأغترفُ كلَّ ما أشتهي وأستطيب! كنتُ سمعتُ منذ فترةٍ طويلةٍ ببلدةٍ سوريّة صغيرة تقعُ على ضفافِ نهرِ دجلة على الحدودِ السوريّة مقابل بلدة "بيشخابور" العراقيّة تُدعى "خانيك". وعلمتُ أيضاً في ما بعد أنّها بلدةٌ سكّانُها كلدان لغتهم إحدى لهجات الآراميّة تنضمّ إلى مجموعة اللهجات المدعوّة "سُورَثْ". وبقيتْ زيارة هذه البلدة شهوةً في قلبي دامتْ ردحاً من الزّمن، حتّى آنَ أوانُها في خريف عام 2008. وهكذا حملتني حافلاتُ السّفرِ من بلدتي إلى مدينةِ القامشلي ومنها إلى ديريك (المالكيّة) ونزلتُ ضيفاً عندَ قريبٍ لي. عندَ الصّباح أقلّتنا سيّارةٌ نحوَ المقصَدِ في طريقٍ إسفلتيّ لم يدمْ طويلاً منه أخذنا اليمينَ في دربٍ ضيّقةٍ ترابيّة تمرُّ عبرَ حقولٍ وقرىً في غالبيّتها كرديّة. وهكذا قضينا تلكَ السّاعة في أرجوحةٍ بأربعة دواليب حتّى وصلنا أخيراً إلى المكانِ المنشود وقد لبسنا الغبارَ وابتلعنا منه ما يكفينا غداءَ ذاك النهار!
.
بعدَ تجوالٍ سريعٍ في القرية وبضع زيارات قمنا بها إلى منازلِ أهاليها امتطينا الطّريقَ راجلين نحو النّهر المنحدرِ من جبالِ تركيّا الشرقيّة المارّ بعنفِه المعتاد بالحدود الفاصلة بين سوريّة والعراق. "دجلة" هذا الاسم العابق بأمجادِ آشورَ ومن وحيه أخذَ الملوكُ الآشوريّون اسمَ "تِجْلَتْ" فتسمّوا به، ومنه أخذت نخلةُ التمرِ اسمها في الآراميّة "دِقْلَتْ"! كانَ ينبضُ بالحياةِ ودوّاماته المُرعبة تسخرُ بالسّابحين والأغرار، فأمّا مشيته فأقلّ ما يُقال فيها عدوَ فهدٍ خلفَ الفريسة. وما فريسةُ هذا النّهرِ الغامضِ سوى بشرٍ ومراكبَ وحتّى المنازل! خلعنا نعالَنا كما خلعَ موسى نعلَيه على الجبلِ المُقدَّس وخضنا في مياهه بتأنٍّ خوفاً من الانزلاق فالابتلاع، وسرنا في مياهٍ صافيةٍ إلا أنّها والمجهول سيّان، ورحنا نرقبُ كنيسة "بيشخابورَ" المنتصبة على التلّة وخلفها من بعيد برزَ منزل عزيز ياقو الشّهير.
.
عندَ مَقْدمنا وإلى اليمين لفتَ نظري مبنىً صغير يرتفعُ فوق أعلى جبلٍ بين تلك الجبال سألتُ عنه فورَ وصولِنا فأخبرني شابٌّ يافعٌ لوّحته الشمسُ فاسمرَّ يضعُ "يَشْمَراً" (شماخاً) على كتفيه وقال: هذا مرصدٌ فرنسيٌّ هُجرَ مذ رحلتْ فرنسا عن هذه البلاد! فسألتُه إن كنّا نستطيعُ زيارتَه فأومأَ بالإيجاب. وعندَ عصرِ ذلك اليوم أحضرَ الشابُّ نفسُه "بيكاباً"، وهو نوعٌ من السيّارات يغلبُ استعمالُه عندَ أهلِ الأرياف والقرى، فركبَ بعضُنا في مقصورته والبعضُ الآخر في الخلف، وأسرعنا في ارتقاءِ الجبل. كانَ علينا قبلَ الوصول اجتيازُ ثكنةٍ عسكريّةٍ سوريّة، أبقينا بقربِها السيّارة بعدَ أن حيّينا عساكرَها، وأكملنا صعودَ التلّة على الأقدام. وصلنا أخيراً مقطوعي الأنفاس لوعورة الارتقاء وأخذنا بعضَ الرّاحة قبل أن نبدأ في التعرّف على المرصدِ المهجور. كانَ عبارةً عن طاولةٍ شبه مستديرة تملأُ قمّة الجبل بأكملها على غرار مدينة "العمّاديّة" العراقيّة، وكأنَّ جلاداً قد قطعَ رأسَ هذا الجبل وأبقى منه الجسدَ، فكانَ المرصدُ يتربّعُ على كتفيه مسوّراً بسياجٍ مهدَّمٍ من الحجارةِ السّوداء. في وسطِ المكان وفوقَ صخورٍ سوداء ضخمة ارتفعَ مبنىً صغير لا يسعُ أكثر من خمسة رجالٍ وقوفاً، على شكلِ مثلّثٍ، يُرتقى إليه بثماني درجاتٍ، مشيّد بحجارةٍ صفراء على طرازٍ غريب أراه أوّلَ مرّة. شكلُ المبنى الهندسيّ المثلّث، وحجارته المرصوفة بعناية واتقانٍ فائقَين؛ يدلان على تلك اليد الفرنسيّة التي نصبته. فأمّا الشّكلُ المثلّث فيعود إلى هدفِ حمايته من الرّصاص أو القذائف التي قد تُصيبه. فجدرانه الثّلاثة المطلّة على أربعِ جهات، منحنية بشكلٍ يُخفّف من أثر أيّ صدمةٍ قد يتعرّض لها. وقيلَ لنا إنَّ المراصدَ العسكريّة المرتفعة صعبةَ المنالِ عن قرب، كانت تُبنى على هذا الشّكل تحسّباً من التعرّض لها عن بعد. وخصوصاً مثل هذا المرصد المبنيّ على رأسِ الجبل على شبه قاعدة لا يُمكن الاقتراب منه أو الوصول إليه براً بسهولة، فالتفكير في السّيطرة عليه لن يكونَ إلا جواً أو بهجومٍ برّيٍّ مكثَّف!
.
يُطلُّ المرصدُ على وادي دجلةَ كاملاً كما يُمكنه من مكانِه هذا الإشرافَ على جميع الوديان والجبال والتلال الصّغيرة. وكانَ أن أسرتْنا تلك المشاهد وأخذتْ من وقتِنا حتّى غابتِ الشّمسُ وشرعَ المساءُ بإرخاء ستارته معلناً انتهاءَ عرضِ ذاك النّهار! لم يكن لمثلِ هذه الرّحلة في بلدٍ مثل بلدي أن تُقضى دونَ أسفٍ أو ما يسلبُ قليلاً أو كثيراً من فرحتِها. فالإهمال البادي للعيان كانَ السبّاق إلى الترحيبِ بنا. فالسّورُ الحجريُّ الأسود لم يتبقَّ منه في أمكنة كثيرة إلا آثاره، وما يدلُّ على أنَّ سياجاً مرَّ من هنا. والغرفُ التي كانت مبنيّة بمحاذاة السّور مهدَّمة، بقيت منها أسس الجدران لا أكثر. فأمّا المرصد المثلّث الصّغير فقد تعرّض لسرقات أحجاره الصفراء المصقولة على يد عربِ القرى المجاورة، وما لم يستطيعوا نهبَه فقد هدموه إمعاناً في الخراب.
.
ذهبتْ فرنسا ورحلتْ وبقيتْ آثارُها تذكّر أصحابَ الأرض بأنَّ أكثر من ستّين سنةً مرّت وبلادُهم على حالِها، إن لم يكنْ إلى الوراء! بقي هذا المرصدُ الصّغير وبقاياه القليلة بعدَ أكثر من نصفِ قرنٍ على رحيلِ بانيهِ يقولُ للتاريخ: من هنا مررنا! ويقولُ لأبناءِ سوريّةَ ماذا فعلتم طوالَ تلك السّنين؟! كانَ المرصدُ فرنسيّاً في أبهى حلّةٍ وثوب، وبعدَ أن آلَ إلينا صارَ خراباً تأوي إليه الجرذانُ والبومُ في الليل، وأصحابُ قضاءِ الحاجات والخراء في النّهار! ألم يكنْ حرياً بمن يدّعي الحضارة والتاريخ الحفاظ على مكانٍ ومبنىً صغيرٍ جميلٍ مثل هذا؟!
.
ذكرَ لي الشّابُّ الأسمر أنَّ مجموعة من السُيّاح الفرنسيّين مرّوا قبلَ أعوام وعلموا بأمرِ المرصد فتاقوا إلى رؤيته وبعدَ أن صعدوا ورأوا ما رأيتُ ابتسموا! رسمَ المرصدُ وأطلالُه ابتسامةً حزينة على وجوه الفرنسيّين، وتركَ في قلبي غصّة عميقة وفي نفسي أسىً لن يزول! كانَ من الممكنِ أن يكونَ هذا المكان مقصداً يقصدُه السيّاحُ، لا بل كانَ لهُ أن يكونَ متحفاً واستراحةً تخلبُ ألبابَ الناظرين بمشهدٍ يُبدي وادي دجلةَ وكلّ جبلٍ ووادٍ مجاور! قد أكونُ حالماً في بلدٍ لا يعرفُ حرّاسُه وأبناءُه من معاني الثّقافة والحضارة إلا أسفلها وأدرك درجاتها، لا يعرفونَ منها إلا نهبَ أرضهم وبلدهم ووطنهم بكلّ ما فيه من ترابٍ وحجرٍ وشجرٍ وثمرٍ لا بل وبشر! يعرفونَ جيّداً كيفَ يكمّونَ الأفواهَ عن قولِ الحقيقة ونقدِ الفساد، ويعرفونَ أيضاً كيف يبرقعون العيونَ فيحرمونها من البصر، وبرقعة العيون أقلّ ما يُمكن أن يُقال في وطنٍ يقتلعها إن أخطأتْ يوماً فأبصرتْ! يعرفونَ كيفَ يكونُ قمعُ البشر وكيفَ يكونُ هدمُ الحجر، ولا يعرفونَ كيفَ يُحافظونَ على بلادِهم وأرضِهم وجمال ما فيها! عُدتُ باكياً بعدما أتيتُ باسماً... فآثارُ الغرباءِ تدعوكَ إلى الفرحِ وآثارُ أبناء وطنِك تُرغمك على البكاء!!!
.
ختاماً لي رغبة أقولُها وكلمة أختمُ بها فلعلَّ وزارة الثقافة أو وزارة السّياحة تصغي، فيها أسألُها بكلّ رجاء أن تحافظ على ما تبقّى لنا من تراب، فإذا ما خسرنا هذا الأخير خسرنا ما يُسمّى "الوطن"!
.

الجمعة، أكتوبر 23، 2009

القهوة والمقاهي في بلاد الشّام في القرن السادس عشر

كنتُ في زيارة معرض الكتاب الذي أُقيم في المركز الثّقافيّ في بلدتنا المغبرَّة، خرجتُ منه وبين يديّ ثلاثة عشر كتاباً متنوّعة المسائل والموادّ. ومن بين تلك الكتب رحتُ مساءً أتصفّح أحدها فلذَّ لي ما حواه من التّاريخ وبلغت بي تلك اللذّة أن عزمتُ على إيجاز مقاله الأوّل. عنوان الكتاب "دراسات في التاريخ الحضاريّ لبلاد الشّام في القرن السّادس عشر" ومؤلّفه الدكتور محمّد م. الأرناؤوط، وقد طُبع في مطبعة ألف باء – الأديب في سنة 1995 في دمشق. والكتاب يقع تحت الرّقم الثالث في سلسلة صادرة عن دار نشر "مكتبة الأبجديّة". فأمّا المقال فعنوانه "انتشار القهوة والمقاهي في بلاد الشّام الجنوبيّة خلال القرن السّادس عشر" ويقع بين الصفحات 5 -18.
.
يفتتح الكاتب مقالَه بوصول القهوة البنيّة إلى بلاد الشّام وبروز المقاهي فيها أوّلَ مرّة، وما نتج عن ذلك من أحداث وآثار في تاريخ المنطقة وفي نتاج الفقه والشّعر والصّراع الدائر بين محلّلي القهوة وممتدحيها وبين محرّميها والحاملين عليها. كما أنّ بروز المقاهي أو "بيوت القهوة" أدّى إلى تحوّلها إلى منتديات ثقافيّة واجتماعيّة تجمع الفقهاء والشعراء وهواة الموسيقى والمسرح وتمارَس فيها أيضاً بعض الألعاب كالطاولة والشطرنج... إلخ.
.
كانَ القرن السادس عشر الميلاديّ (العاشر الهجريّ) زمن التغييرات السياسيّة في المنطقة المعنيّة فسقوط دولة المماليك ونشوء الإمبراطوريّة العثمانيّة أدّيا إلى تحوّلات كبيرة اجتماعيّة واقتصاديّة، منها كما ذكرنا وصول القهوة وبروز المقاهي وارتيادها الذي صارَ عادةً اجتماعيّة جديدة. ولعلّ إطلاق اسم "القهوة" (وهو من أسماء الخمر عند العرب) على هذا المشروب الجديد كان من سوء حظّه وسبباً أساسيّاً في معارضة الفقهاء وتحريمه. والاسمُ عينُه أوقعَ المؤرّخين في الخلطِ فالغلط، إذ ردّوا القهوة البنيّة إلى العصرِ الأمويّ، وهي لا تعودُ في الحقيقة إلا إلى القرن السّادس عشر.
.
هنالك ثلاث روايات عن وصول القهوة وانتشارها أولها تقولُ إنَّ الشيخ محمد بن سعيد الذبحاني (ت. 1470 – 1471 م.) حمل القهوة إلى عدن ومنها وصلت الشّمال عبر البحر الأحمر. ثانيها تذكر الشيخ علي بن عمر الشاذلي (ت. 1408 م.) الذي يُرجَّح أنه عرف القهوة في الحبشة حيث نشر مذهبه الشاذليّ. وثالث الروايات تخبر أنَّ الشيخ أبو بكر بن عبد الله الشاذليّ الملقّب بالعيدوس أو العيدروسيّ قدم دمشقَ من اليمن حاملاً معه القهوة، وتوفّي فيها سنة 1503 م.
.
نلاحظ من هذه الروايات الثّلاث أنَّ القهوة ارتبطت بالصوفيّة على الطريقة الشاذليّة، ومنها نستخلص أنّها وصلت الشامَ في نهاية القرن 15 وبداية القرن 16. وما يُساعد على بناء هذا الاستنتاج هو أنَّ القهوة في الجزائر تُسمّى "شاذليّة". وفي ضواحي دمشق كانَ ربُّ البيتِ يسكبُ من إبريق القهوة الفنجان الأوّل على الأرض على أنّه حصّة الشاذليّ مخترعها، وإن لم يفعل فإنَّ القهوة تراق بأكملها. في هذا يؤكّد المؤرّخ الدمشقيّ نجمُ الدّين الغزي (ت. 1651 م.) على أنَّ العيدروسيّ هو مكتشف القهوة، فإنّه مرَّ في سياحتِه بشجر البن فاقتات من ثمرِه فوجد فيه تخفيفاً للدماغ واجتلاباً للسّهر وتنشيطاً للعبادة، فاتّخذه قوتاً وشراباً وأرشدَ أتباعَه إليه.
.
وصدفَ أن دخلت القهوة الشّامَ في زمن دخول هذه تحت سلطة الدولة العثمانيّة، فأصبحت القهوة قضيّة عثمانيّة فتنازعَ حولها الفقهاء والأدباء والسياسيّون لقرنٍ من الزّمن، ووصلَ الأمرُ أيضاً إلى السّلطان ممّا جعلها أمراً يتعلّق بالدّولة كاملةً. ويذكرُ ابنُ طولون (ت. 1545 م.) أنّه شربَ مع جماعةٍ القهوة المتّخذة من البن ويعلّق قائلاً: "ولا أعلمُ أنّها شربت في بلدنا قبلَ ذلك"! كما يذكرُ الشيخَ علي بن محمّد الشاميّ الذي أتى دمشق وأشهرَ فيها شربَ القهوة فاقتدى بهِ النّاسُ وكثرت حوانيتها.
.
لكنَّ أمرَ القهوة كانَ منوطاً بقاضي دمشقَ، وهذا يتغيّرُ من حينٍ لآخر، ففي مطلع سنة 1545 م. عُيّنَ الشّيخُ محمّد بن عبد الأوّل الحسيني قاضياً في دمشق فجمعَ بعضَ العلماء ونادى بإبطالها، ولم يكتفِ بذلك، بل عرضَ الأمر على السّلطان سليمان القانونيّ فوردَ الأمرُ بإبطالِها في شوّال من سنة 953 هـ. – 1546 م. ومن المعروف أنَّ السلطان استندَ إلى إحدى فتاوي شيخ الإسلام المرجعيّة الإسلاميّة العليا، وفي ذلك الحين كانَ يتولّى المشيخة أبو السّعود العمادي، ومع أنّه كانَ متنوّراً إلا أنَّ موضوع القهوة عُرضَ عليه بشكلٍ متحيّز، فالمؤرّخ الغزّي يُخبرنا أنّه سُئل عن شرب القهوة "بعدما قُرّر له اجتماع الفسقة على شربِها"، فأجاب: "ما أكبَّ أهلُ الفجور على تعاطيه فينبغي أن يتجنّبه من يخشى الله ويتّقيه".
.
والأمرُ نفسُه حدث في مدينة القدس، فخوفاً على بيوت الله فيها كتبَ قاضيها إلى السلطان سليمان القانونيّ يطلبُ منه إغلاق المقاهي فيها (وكانت خمسة) وتجاوبَ السّلطان وأمرَ بذلك في 3 كانون الأوّل 1565 م. وبعدَ وفاتِه عادتْ القهوة إلى مكانتها شيئاً فشيئاً بالرّغم من منع افتتاح المقاهي في المناطق التي يُسيطر عليها أعداء القهوة البنيّة. وبرغم عودتها فقد برزت المعارضة ثانيةً خلال عهد الوالي سنان باشا، فقد بقي خطيبُ الجامع الجديد في دمشق على موقفه حتّى أنّه ألّف رسالة في تحريم القهوة، فردّها عليه أهلُ عصرِه، واُعتبِرَ مخالفاً الإجماع لكثرة مناصريها. ورجحتْ كفّة المناصرين حينَ أصدرَ شيخُ الإسلام بستان زاده محمد أفندي (1589 -1592) فتوى صريحة في تحليل القهوة.
.
فأمّا عن المقاهي وبيوت أو حوانيت القهوة فإنّنا نجدُ مقهىً في محلّة "السويقة" بدمشق. كما قامَ الوالي درويش باشا ببناء دار للقهوة بجوار السّوق الذي أنشأه قربَ الجامع الأمويّ وذلك ضمن وقفه الذي اشتملَ على حمّام وقاساريّة وجامع، وعن مكان لطبخ القهوة في سوق "السباهية" أو "الأروام" بدمشق (مدخل سوق الحميديّة اليوم). كما قامَ الوالي مراد باشا ببناء مكانٍ لطبخ القهوة وبيعها في جوار السّوق عندَ باب البريد. وتحدّد وقفيّة الوالي سنان باشا ثلاثة بيوت للقهوة: الأوّل في سوق العمارة والثّاني في سوق السنانية والثالث في خان عيون التجار.
.
وبالرّغم من أنَّ السلطان مراد الرّابع 1623 – 1640 بادرَ بشكلٍ مفاجئ إلى تحريم القهوة وإعدام بعض من تجاهل هذا المنع، إلا أنَّ "ثورة القهوة" لم يعدْ بالإمكان كبحُها بمثل هذه القرارات. وهكذا سمحَ السلطان محمد الرابع (1648 – 1687) ببيع القهوة في الأسواق. ولم تعد المقاهي مكاناً لشرب القهوة فقط، بل غدت مكاناً تُقدّم فيه "المغاني"، ومكاناً يجمعُ هواة الفنّ المسرحيّ الشعبيّ (الكراكوز) والفن الروائيّ الشعبيّ (الحكواتي) وأصحاب الصّرعات الجديدة (ألعاب الخفّة وغيرها)... وهكذا فقد انتشرتْ في البادية أيضاً ولم يعد في الإمكان النّظرَ إلى المجتمع البدويّ بدون القهوة.
.
(لقراءة هوامش البحث ومصادره ومراجعه يُرجى العودة إلى المقال في الكتاب المذكور أعلاه).
.

الجمعة، أكتوبر 16، 2009

"عزازيلُ" يوسف زيدان: قُبحُ الرّواية وتشويه التّاريخ

(نُشِرَتْ في جريدة "النهار" اللبنانيّة، الأربعاء 14 تشرين الأول 2009، السنة 77، العدد 23844).
.
كنتُ أتصفّحُ جريدة "النّهار" يومَ الثّالث من تشرين الأوّل 2009 فلفتَ انتباهي مقالٌ للأستاذ جهاد الزّين يتحدّث فيه عن "عزازيل" رواية الكاتبِ المصريّ يوسف زيدان، وعن فنّ الرّواية التّاريخيّة، ويلمح إلى خمول أدباء الشّام - لبنان في مواجهة المصريّين الذين ما زالوا يحتفظون "بحسٍّ إبداعيٍّ تاريخيّ" على حدّ قولِه. وأعادتني قراءته إلى الرّواية نفسِها وما انتابني من مشاعرَ وأفكارٍ بعدَ الانتهاء منها قبلَ حوالى أسبوعين.
.
عرفتُ الرّواية وسمعتُ عنها في غمرة الضجّة التي أثارتها ضدّها الكنيسة القبطيّة في مصر، وبدلَ أن تنجح الكنيسة في ما أرادتْ، ساهمتْ بشكلٍ كبير في نشرِ الرّواية وإطلاق اسمها في الآفاق، ولا أظنّني أبالغ إذا ما قلتُ إنّ بلوغ الرواية طبعاتها المتلاحقة (4 طبعات في 2008) يعودُ قطعاً إلى الهجوم القبطيّ العنيف الذي بلغ، ويا للأسف، القضاء المصريّ! ولستُ أرى الآنَ في ردّة الفعل هذه سوى ضعف وشبه بالأزهر وبكلّ مؤسّسة تخشى من الكلمة على أتباعِها، وأقولُ الأزهر متذكّراً تحريم "وليمة لأعشاب البحر" للكاتب السوريّ حيدر حيدر. فالمشهدُ هو ذاتُه مع اختلاف الأطراف: رواية الوليمة كُتبت ونُشرت في نهاية الــسبعينات، ثمَّ طُبعتْ من جديد فحرّمها الأزهر لعبارات وردتْ فيها. وكانَت هذه الحرم مادّةً للصّحف والمجلات، وبدلَ أن يخــضعَ القارئُ العربيّ (وخاصّة المصريّ) لقضاء الأزهر، نراه يفعل المستحيل ليحصلَ على الرّواية بأيّ ثمن، وليقرأ تلك العبارات التي أغاظت اللهَ والأزهر من بعدِه. وكانَ هذا حالَ "عزازيل".
.
يقولُ الأستاذ جهاد إنّ زيدانَ (وهو مسلم) هو الرّوائيّ الأوّل الذي يلجُ عالمَ القرن الرّابع المسيحيّ، ولا أعلمُ ما الذي أعادَ على ذاكرتي بقولِه هذا رواية "حدائق النّور" (بالفرنسيّة) للروائيّ اللبنانيّ أمين معلوف. وبينما راحَ زيدان يقصّ علينا وقائعَ الصّراع العقائديّ في القرن الرّابع، وعنف انتشار المسيحيّة في الدّيار المصريّة، على فمِ طبيبٍ راهبٍ مصريّ؛ حملَ إلينا معلوف قصّةَ أشهر معلّمي القرن الثّالث "ماني" (وهو أيضاً طبيبٌ وراهب) وتبشيره المسالم بعقيدته الجديدة في أنحاء الإمبراطوريّة الفارسيّة!
.
للرّواية التاريخيّة متعةٌ خاصّة، تعودُ بكَ إلى أزمنةٍ ولّتْ، وتُدخلكَ عالماً انقضى على أحداث ووقائع نقرأها اليومَ بعيونٍ جديدة. وعيونُ الأدبِ هذه تعيدُ رسمَ الأحداثِ، وتفسّرها في نورِ عالمِ اليوم، وترى وتلمس فيها أشياءَ لا يُمكن إنسان ذاك الزّمان أن يراها أو يلمسها. ولهذا تُسمّى "روايةً"، وإذ تعتمدُ هذه لغةً على النّثر، فلا بُدَّ لها من أن تتمثّلَ لغةً فنيّةً راقيةً، وإذ تكون اللغةُ عنصراً مشتركاً بين سائر الأجناس الأدبيّة، فالرّوايةُ تنهلُ أيضاً من الخيال رافداً تستقي منهُ لغتُها، ويجمعُ بين اللغةِ والخيال عنصرٌ ثالث يركّبُ هذا في ذاك، أعني السّرد!
.
تنازعت الرّواية في نشأتها بين الأدبِ والتاريخ، فراحَ الذين كتبوا في هذا الفنّ يغدقونَ عليها أوصافاً من شأنها أن تجعلها أختاً أو حليفةً للتاريخ، وهذا عيبٌ يغفلُ عنه القرّاء، فمهما حاولَ الرّوائيّ أن يبلغَ لما استطاعَ أن يكتبَ التّاريخَ ولا أن يلجَ عالمَه الواسع. والخلطُ بين "الرّواية" و"التّاريخ" يقعُ حينَ ينصبُ الرّوائيُّ للقارئ فخّاً يُدخله شيئاً فشيئاً في أسرِه.
.
يُذكّرنا هذا بما فعلَه الرّوائيّ الأميركيّ دان براون في روايتِه "شيفرة دافينتشي" (The Da Vinci Code) التي نُشرتْ في عام 2003، وفيها يتحدّث عن زواج المسيح والحفاظ على نسلِه عبر جمعيّة سريّة ذات طقوس خاصّة. ويذكر في روايته أسماء وأحداثاً وأماكنَ تاريخيّة ساهمتْ في إيهام القارئ أنّه يقرأ كتــاباً تــاريــخيّاً. وهذا ما دفعَ الكنيسة الكاثوليكيّة إلى تحذير المؤمنين من قراءتها، لا بل قامَ عددٌ غيرُ قليل من رجال الكنيسة والمفكّرين المؤمنين بكتابة العشرات من المقالات وبضع كتبٍ تنفي علميّاً وتاريخيّاً ما جاءَ في الرّواية. يتكرّر هذا الصّراع على نطاقٍ أضيق في رواية المصريّ زيدان "عزازيل". فالمقالات والرّدود التي كُتبتْ في شــأنها لهي أصدق دليل على أنَّ القارئ لا يُمكنه التمييز بــيــن "الــرّوايــة التّاريخيّة" وهي فــنّ أدبــيّ، و"التــاريــخ" وهو أحد العــلوم.
.
في هذا الصّدد يرفضُ زيدان المقارنة بين روايته ورواية دان براون معتبراً أنَّ الأخيرة منشأة على أوهامٍ غير ثابتة ولكتابتها أهدافٌ مختلفة حقّق منها الكاتب ما أراد! ويرفض أيضاً اتّهاماً وُجّه إليه يطعن في حياديّته ويصرّ على أنَّ جميع وقائع وأحداث روايته حقيقيّة ما خلا "الرّاهب الطبيب هيبا"! ولا يسعني هُنا إلا الإشارة إلى أنَّ زيدان يحاولُ مرّةً أن يعتبرَ عملَه فنّاً أدبياً، ومرّةً أخرى عملاً تاريخيّاً باعتبار الوقائع والشخصيّات حقيقة تاريخيّة! وهو بهذا لا يعلمُ على أيّ الجنبين يستوي! فهو وإن كانَ قد استلَّ من التّاريخ شخصيّات وُجِدَتْ ووقائعَ حدثت بالفعل، إلا أنّه بسردِه وخيالِه جعلَ منها شخصيّات جديدة لا تمتّ بصلة إلى تلك التاريخيّة، وخاصّة عند ذكر الأحاديث والنّصوص التي نسبها إليها! وهذا في الحقيقة هو شأن الفنّ الأدبيّ لا شأن علم التاريخ.
.
وبينما حاولَ اللبنانيّ معلوف جهدَه الحفاظ على وقائع التاريخ والأعوام وسيرِ أحداث ذاك الزّمان وفكرِ بطلِه ماني وفلسفته من خلالِ خطبه وأحاديثه العديدة، نرى زيدان في "عزازيل" يبتكرُ لنسطورَ (إحدى شخصيّات العمل) ولغيرِه من شخصيّات الرّواية، فكراً جديداً ليسَ له أيّ مصدر أو مستند في التّاريخ، كما يجعل من نظرة النسطوريّة إلى ابنِ الله مختلفة تماماً عمّا كانته وعمّا تكونه اليوم. لن أسهبَ في الحديثِ عمّا اقتبسه الكاتب من التّاريخ وعمّا كتبه من وحي خيالِه الرّوائيّ بل أقولُ كلمةً أخيرة في لغة الرّواية التي يُلاحظ القارئ أنَّها أقربُ إلى لغةِ العامّة منها إلى الأدب، فالكلمات العاميّة والغريبة التي استخدمَها، وتعدية الأفعال بحروفٍ ليست لها (غالباً بحسب أسلوب العامّة)، وطرقُ الإضافة الرّكيكة، هذا بالإضافة إلى بعض التناقضات التي يقعُ فيها الكاتب فيُربكَ بها القارئ كأن يجعلَ الرّاهبَ هيبا بعيداً عن السّكينة في الدّير الذي يسكن فيه (الصّفحة 15 من الطّبعة الخامسة كانون الثاني 2009)، ثمَّ نراهُ ينعمُ بها (في الصّفحة 18)؛ كلّ هذا من شأنِه أن يُحدثَ خللاً في ذهنِ قارئ الأدبِ، ووهناً في لغةِ الرّواية التي تُعتبر من أهمَّ العناصرِ شكلاً، فبها تحسنُ الأخيرةُ في العيون وتستطيبها الأذواق وبها أيضاً تقبح وتُمَجُّ!
.
يربطُ الفيلسوفُ الفرنسيُّ سارتر الرّواية بالتاريخ وهذا بالوجود، فإذا كانت عناصرُ الرّواية التاريخيّة مأخوذة (قليلاً أو كثيراً) من التاريخ لكن بشكلٍ جديد، فما معناها إن جاءتْ أقبحَ شكلاً ممّا سبق أو أكذبَ روايةً ممّا كان؟!

الثلاثاء، أكتوبر 13، 2009

"كانَ مَوطِني": نشيدُ "مَوطِني" الجديد...

مَوطِني... مَوطِني
الوبالُ والضّلالُ والبلاءُ والرّياءُ
في رُباك... في رُباك
والطّغاةُ والبغاةُ والدّهاءُ، لا الوفاءُ
في حِماك... في حِماك
ها أراك... لا سِواك
خانِعاً مُكَمَّماً بِقادتِك مُسَمَّما
خانِعاً مُكَمَّماً بِقادتِك مُسَمَّما
ها أراك... ها أراك
كُبِّلتْ يداك
تصطلي لظاك
موطني... موطني
**********
مَوطِني... مَوطِني
الوِفاقُ لَن يهلَّ
نجمُه لا لن يطلَّ من جديد
من جديد
كلُّ حزبٍ قَد بدا
وهَمُّه يُرضي العِدا
وأن تبيد... وأن تبيد
لا يُريد... لا يُريد
مَسرى طه الأتلدا وقبةً ومسجدا
مَسرى طه الأتلدا وقبةً ومسجدا
بل يُريد... بل يُريد
عيشةَ العبيد... ذُلّنا الأكيد
مَوطِني... مَوطِني
**********
مَوطِني... مَوطِني
الدّولارُ والدّينارُ والرّيالُ والعقارُ
هَمُّهم... هَمُّهم
فَقرُنا وجوعُنا وذَبحُنا وحَرقُنا
شعارُهم ورمزُهم
حالُنا... وضعُنا
بائسٌ لا يُوصفُ... مُقَزِّزٌ ومُقرِفُ
بائسٌ لا يُوصفُ... مُقَزِّزٌ ومُقرِفُ
للهلاك... للهلاك
قادةُ النِّفاق
مالهم ميثاق
مَوطِني... مَوطِني.
*
للمشاهدة والاستماع:
*
للتحميل:
*
منقول.
.
.

الأربعاء، أكتوبر 07، 2009

القـلمُ الأجـيـر!

الخميس 28 تمّوز 2008 (روما):
.
"كم أحتقرُ كذبةَ الأدبِ وزائفيه! قد لا تكونُ كأسي كبيرة لكنّي لا أشربُ إلا منها".
هكذا هتفَ ألفرد دو موسيه لاعناً القلمَ الأجيرَ.
دعتني هذا الصّباح الصّحافيّة جمانة حدّاد إلى الكتابةِ من جديد. فقد تمتّعتُ وتلذّذتُ ملتهماً وجبتَها الطيّبة التي أعدّتها ثمَّ نشرتها في جريدة "النهار" (هذا اليوم) تحت عنوان "القلمُ الأجيرُ ظاهرةٌ قديمةٌ في الأدبِ أثيرتْ حولها الفضائحُ في كلّ الأزمنة".
.
مرَّ في خاطري للحال مؤرّخٌ وكاتبٌ سريانيّ نجا من مذابحِ الأتراكِ والأكرادِ إبّان الحرب العالميّة الأولى، بعدما افتداه أخوه بنفسِه، فقامَ، ردّاً لفضلِه، بأود عائلةِ أخيه البارّ وربّى بنفسِه أطفالَه، وقضى بقيّة العمرِ دون زواج. ولم يكن له من معيلٍ إلا قلمه، فكم من مرّةٍ ومرّة دفعَ به إلى الأجرِ لحاجةٍ إلى المال، وحاجةٍ إلى سدّ أبواب العوز والجوع! كان ناسخاً من أمهر النسّاخ، يكتبُ باليُمنى وإن تعبتْ كتبَ باليُسرى، وهكذا يقضي ساعات النّهارِ يعملُ حاملاً قلماً أجيراً ذا فاقة.
.
كما تذكّرتُ صديقاً لي قضيتُ معه ردحاً من الزمنِ في لبنانَ في أثناءِ الدّراسة الجامعيّة، كانَ يتيماً منذ الصِّغَر، وفي السّنة الجامعيّة الأولى توفّيتْ والدتُه، ولم يبقَ له من معيل إلا اللهُ والقليلُ الذي كانَ يجنيه قلمُه الأجير! فقد كانَ على كلّ طالبٍ أن يُعدَّ ثلاثةَ أبحاثٍ على الأقلّ في كلّ عام، وهكذا كانَ صديقي الحمصيّ يقوم بكتابة العشرات منها عنه وعن بعضِ الكسالى مقابلَ أجرٍ زهيدٍ لا يتجاوزُ الخمسةَ أو الستة آلاف ليرة لبنانيّة، يصرفُها على سجائرَ اللوكي سترايك وعلى حاجاته الأخرى! كنّا نعيشُ في مبنىً واحد، وكانَ له، برغمِ فاقته، قلبٌ طيّبٌ لا يرفضُ شيئاً لأحد، حتّى وجدني يوماً في حاجةٍ إلى بعض النّقود، فأخذَ ما كانَ له وقدّمه لي من دون أن يقولَ شيئاً. تمنّعتُ في البداية عالماً بحالِه، لكنَّ يدَه الممدودة وطرفه المخفوض حملاني على الموافقة. أذكرُ ليلتها أنّي بكيتُ ألماً على فقيرٍ أغنى من أصحابِ الملايين.
.
كانَ صديقي السّمين يفتحُ علبة السّجائر بطريقةٍ غريبةٍ، إذ كان، بدلَ أن يفكّ الرّابط البلاستيكيّ وينزعه كاملاً، يشعلُ بولاعتِه أحد أطراف فتحتها، فيزيحه قليلاً ثمَّ يفكّ الأوراق المثلّثة بعنايةٍ ويغلقها من بعدِ كلّ لفافة! سألتُه مرّةً عمّا يفعل ولمَ! أجابَ: أحاولُ قدرَ الإمكان الحفاظَ على التبغِ من الجفاف، فالعلبة عليها أن تكفيَني أربعة أو خمسة أيّام... وكانَ يضحكُ لاعناً الفقرَ!
.
لعبتُ هذا الدّورَ أيضاً في مجلّةٍ محليّةٍ أصدرها أحدُ الأصحاب عملتُ في تحريرِها، وكنتُ أقومُ بكتابةِ أكثر من مادّة لتصدرَ واحدة فقط باسمي والبقيّة بأسماء العاملين معنا. كما كنتُ أصوغُ وأحرّرُ لا بل أعيدُ كتابة مقالات كاملة كتبَها الأصدقاء بسبب رداءة لغتها وركاكة أسلوبها.
.
كما جعلتُ قلمي أجيراً طوال سنوات الدّراسة تماماً كما كانَ يفعلُ صديقي الحمصيّ اليتيم، لكن بدون مقابلٍ ماليٍّ، بل لقاءَ كتابة أعمالي على الآلة الكاتبة أو الكومبيوتر وطباعتها، وهكذا كانت المقايضة هذه تكلّفني ساعات من الليلِ أقضيها في إعدادِ أعمال الآخرين!قد يندمُ الكاتبُ عندَ بيعِه الكلمة، وخصوصاً كلمته هو، ولكأنّها طفلٌ يُنزعُ من حضنِ والدةٍ خرساءَ مقعدةٍ، فلا تجيبُ إلا بأنّات وحركات أليمة باكية! لكنّ الحياة ورغيفَها أثمنُ من الكلمة.إنَّ القلمَ الأجيرَ يتركُ صاحبَه في ندمٍ وأسىً، لا بل يذكّره بين الحينِ والآخر بجريمته وخيانته، فتدمى كلومُه من جديد بعدَ أن رفأتها الأيّامُ ومضيّ السّنين!
.
اليومَ أذكرُ ما فعلتُ ولستُ بنادمٍ، إذ أذكرُ أيضاً حاجتي التي قادتني إلى مبادلة كلمتي بما يقيتني ويكسيني؛ وإن اضطررتُ إليه من جديد لفعلتُ ما فعلت!
.
.