الخميس، يوليو 02، 2009

لقاء...

بلا تاريخ (حلب)
.
كنتُ قافلاً أعودُ من حفلةٍ دعاني إليها أحدُ الأصدقاء، ولذّة شرابها ما زالت تضربُ في رأسي، مثلما بقيتْ تضربُ فيها أنغامُ مغنٍّ شابٍّ، أعادني إلى أيّامِ الرّشيدِ ومغنّيه إبراهيم الموصلي، وشتّان ما بيني والرّشيد وما بين الموصلي وذاك الفتى الحلبيّ الذي راحَ طوال المساء يضرب العودَ بأنامله ويصدحُ ويقول:
بـروحي فــتـاةٌ بالـعفافِ تجمّلتْ ..... وفي خَدِّها حبٌّ من المِسكِ قَدْ نَبَتْ
وقَد ضاعَ عقلي وقد ضاعَ رُشدي ..... ولمـّا طلبـتُ الوصلَ منها تمنّعـتْ
فقالـتْ: أمـا تَخشى وأنتَ إمامُ ..... أتزعمُ أنَّ الرّيقَ مـدامٌ والمدامُ حرامُ؟
فكنّا نتمايلُ حاملينَ كؤوسَنا، هاتفينَ معه: أعدْها علينا أعادك اللهُ إلى منزلِك سالماً غانماً... وآخرُ يصيحُ: لا باركَ اللهُ في شرعٍ حرّمَ المدامَ... من لم يذق طعمَ الرّيقِ ما ذاقَ، واللهِ، شيئا... وقسْ على مثل تلك الأقوال! وما إن بدتْ على القوم دلائلُ السّكرِ في تمايلاتهم كالرّيح تعبثُ بالغصون الطريئة، وفي أقوالِهم وقد ضربت الخمرةُ البيضاءُ منهم ما ضربت؛ حتّى نهضتُ وسلّمتُ على صاحب الدّعوة وغادرتُ المكان لا ألوي على شيءٍ.
.
هكذا تركتُ الحفلَ وجمعَ الغناء والمدامَ كما تركتُ الفتاةَ المجمّلةَ بالعفاف وإمامَها سكرانَ الهوى، واخترتُ طريقي في زقاقٍ قديمٍ من أزقّة حيّ "الجديدة" لا شيء فيه إلا الظلمة والسّكون. مددتُ يدي إلى جيبي وأعدتُها محمّلةً بهاتفي الصّغير واخترتُ اسماً ثمَّ ضربتُ الاتّصالَ وانتظرتُ... ألو، مساءُ الخير... كيفَ حالُك؟... أينَ أنتَ؟... أنا في "الجْدَيدِه"، ما رأيُك لو نلتقي بالقربِ من "مستشفى سلّوم"؟... اتّفقنا إذاً! وأنهيتُ الاتّصال.
.
ورحتُ منذ تلك اللحظة أرسمُ في مخيّلتي صوراً لصاحبٍ عرفتُه دون لقاء! وكيفَ تجمعنُا الأيّامُ بأناسٍ لقاؤهم يتركُ أثراً في النّفسِ لا يُمّحى. كنتُ قد تجادلتُ معهُ يوماً حولَ إحدى مقطوعاتِه الشعريّة الفلسفيّة على صفحات منتدىً شبابيّ إلكترونيّ، ومنذ ذلك الحين بتنا نقتربُ خطوةً تلو الخطوة ونلتقي في أفكارٍ تبادلناها تدرسُ هذا الكون الواسع والإنسان الذي يُفسدُ فيه والمظالمَ والقيودَ وكلَّ ما خطرَ لنا على بال. ثمَّ تزاملنا وأدركنا الكثيرَ، كلٌّ عن الآخر، وقد لا يكونُ هذا الكثير في عيني إلا القليل في عينِه... من يدري! كنتُ أمشي مقترباً من مكانِ الموعد ورأسي تلتفتُ ذاتَ اليمين وذاتَ الشّمال تُحدّق في القلائل الذين ما زالوا ساهرين يقطعونَ الشّوارعَ، فهذا عائدٌ من لقاءٍ غراميٍّ، وذاكَ قافلٌ إلى بيتِه بعدَما أضناه السّهر، وهناكَ رجلٌ وامرأته يمارسان المشيَ بعيداً عن ضأضاء الأولاد وهمومهم الكثيرة، وهنالك من كانَ مثلي يبحثُ عن لقاء. ورحتُ أحدّق بكلِّ بشرٍ أسائلُ النّفسَ في من عساه يكونُ الصّاحب!
.
قلتُ: دعني أسيرُ على الرّصيفِ المُقابل لئلا يُدركني قبلَ أن أعرفَه، وما إن أصبحتُ في مواجهةِ بابِ المشفى وإذ بشابٍّ طويلٍ أشقر بعينين تبرقانِ يبحثُ عن شيءٍ – كمن أضاعَ شيئاً - في وجوه البشرِ من حولِه! كانَ يجتازُ الشّارعَ نحوَ الرّصيف الذي شغلتُه متطلّعاً إليَّ فالتقت النظراتُ وتساءلت العيونُ، عبرتُ خطوتين متعمّداً السّيرَ، باحثاً فيهِ عنهُ، مداوماً على التحديق في تلك العينين اليقظتين، متفرّساً في هيئته؛ حتّى وقفتُ فأقبلَ وقلتُ: نوّار؟! فانفردَت شفتيه عن ابتسامةٍ عريضةٍ تعجُّ بها الحياةُ بشتّى الألوانِ ومعه ابتسمَ المكانُ، ثمَّ مدَّ يده مُصافحاً فتصافحنا تلتها قبلُ المودّة. وبينما راحت العينُ تصافحه مرحّبةً تحوّلت الأخرى إلى يسراه ترقبُها وترقبُ الأشياءَ التي حملتها بكفٍّ لا مراءَ فيها وكانت علبة دخانٍ من نوع الـ"لوكي سترايك" وولاعةً وكتاباً عرفتُ لاحقاً أنّه من يدِ الفيلسوف الألمانيّ الشّهير فريدريك نيتشه، هذا الكتاب الذي أزهقَ جبرانُ اللبنانيُّ في قراءته والتأمّل فيه شطرَ حياته الأكبر، وكانَ من ذلك أن أخرجَ مثلَه في قالبٍ يُشبهه إلى حدٍّ بعيدٍ وسمّاه "النبيّ" مثلما سمّى نيتشه كتابَه "هكذا تكلّم زرادَشْت"! أوَ لم يكن باعثُ الرمزيّة في الأدب العربيّ على حقٍّ في مثل هذا التقليد الشّكليّ؟! أوَ ليسَ لكلٍّ منّا نبيٌّ يرى الحياةَ والموتَ في صورٍ وأشكالٍ تختلفُ عن الآخر؟! ومن ثمَّ ألسنا ننظرُ إلى الوقائع والأحداث والإنسان والحيوان والطّبيعة والمدنيّة والشّرائع والأديان نظرةً تتفاوت بين الخيرِ والشرِّ، بين النّقص والكمال؟!
.
قلتُ لنوّار: خذ بنا حيثُ نجلس بسكينةٍ بعيداً عن صخبِ الشّهباء التي لا تعرفُ من الحياة إلا قشورَها ومدنيّتها البائسة المنحصرة في الاسمنت والمعدن! وفي مقهىً قريبٍ ساكنٍ جلسنا حول طاولةٍ منعزلة تُحدّث بعزلتنا قبلَ اللقاء. اختارَ صاحبي القهوةَ التركيّة واخترتُ الغربيّة، ثمَّ قدّم لي من لفافات تبغه فأحرقناها الواحدة تلوَ الأخرى، والأحاديثُ تطولُ وتأبى أن تنتهي، حتّى أتينا على العلبة الأولى. ورأيتُه يُخرجُ من جيبِه علبةً أخرى محليّة الصّنع من نوع "الحمراء" الطّويلة وهكذا لم نشعر بمضيّ الوقت، وعدّتنا نفدت، ولم ننهِ إلا القليل القليل ممّا أردنا الكلامَ فيه حول الأصدقاء والإنسان والدّين والماضي والحاضر والمستقبل، ثمَّ المطامح والمخيّلات، وكيفَ لصديقين يلتقيا أوّلَ مرّةٍ أن يذكرانَ مثل تلك المسائل في ساعات من الزّمن؟! غبتُ قليلاً لقضاءِ حاجةٍ وعندما عُدتُ وجدتُه قد دفعَ الحسابَ فشكرتُه. وهكذا نهضنا وعُدنا من حيث أتينا، وهمَّ في المغادرة فسألتُه: ما رأيك لو اغتنمناها فرصةً فالتقينا أبا طوني؟ فوافقَ باشّاً! وهكذا تركنا الأقدامَ تسيرُ بنا في طريقٍ جديدٍ بعيد، ورحنا نعبرُ الشّوارعَ والأزقّة، ومن حارةٍ إلى أخرى حتّى بلغنا المكانَ، فبادرتُه: نوّار، أنا لا أعرفُ المنزلَ، ومن الأفضل أن أتّصلَ به! نظرتُ الهاتفَ فإذا السّاعةُ هي الثّانية من صباحِ يومٍ جديد، اتّصلتُ فرنَّ هاتفُه وكنتُ أسمعُ التونَ مخيفةً تبدّدُ سكونَ الليلِ ووحشته...
- ألو، صباحُ الخير
- صباحُ النّور
- هل أنتَ في البيت؟
- نعم، ومن أنت؟
- اخرج وستعرف، أنتظرُك في الشّارع
- لن أخرجَ إن لم تخبرني من المتكلّم
- حسناً... أنا نوّار (قلتُها كاذباً).
- لحظة واحدة وأكون عندَك (صاحَ على الفور).
.
حينَ رأيتُه قادماً كنتُ واقفاً أتطلّعُ إلى السّماء وفي يدي سيجارةٌ تحترق، بينما انزوى نوّار في مقهى للإنترنت وفتحَ بريده وراحَ يُحادثُ أصدقاءَه، ناديتُه: نوّار تعالَ فقد جاءَ! أقبلَ من بعيد ضاحكاً متكلّماً مسلّماً بحيويّة الشبّان وحماستهم. كانَ شابّاً في مُقتبل العمر، يبدو عليه الجوعُ إلى الحياة، والعطش إلى عيشِها بكلّ ما فيها من فرحٍ وحزنٍ، من فشلٍ ونجاح، من يأسٍ ورجاء! هادا أنت؟! قالها بدهشة، ثمَّ تابعَ: واللهِ لم أميّز صوتَك، واعتقدتُ بأنّك نوّار مصدِّقاً كلامَك... يا لكَ من ماكر!
.
كانَ الكلامُ أكثرَ بكثيرٍ من أن يسعه وقتٌ محصورٌ بين غروبِ شمسٍ وشروقِ شمسٍ جديدة، ولهذا وبعدَ زمنٍ قصيرٍ امتلأ بحديثِ الصّديقين، اعتذرَ الصّاحبُ وفارقنا بعدَ أن وعدنا بلقاءٍ آخر في وقتٍ أفضل! وهكذا بقيتُ وحدي مع هذا الجبرائيل رسول الإله "سعدو" الشّهير، ومن مثل جبرائيل الملاك لقادر على إبلاغ البشر شرائع "سعدو" المعظّم وحكمه المكتوبة منذ أزل الآزال على لوحٍ محفوظٍ في قلبِ قلبِ قصرِ الدّهور؟! ولم نلبث أن سِرنا في طريقٍ طويلٍ هدَّ رجليَّ بعدَ مسيرٍ ووقوفٍ طوال النّهار، حتّى أوقفنا العيسَ وضربنا الخيامَ في زاويةٍ من إحدى الحارات الواسعة، وطابَ لنا أن نكثر من القيل والقال عن الأخويّة مجمع الشّبيبة، ومحفل الفكرِ والتسلية... وشيئاً فشيئاً كانَ سوسُ النّورِ ينخرُ في رداءِ الليلِ حتى أحالَ النسيجَ شبكةً ما لبثت أن صارت رقعاً وخيوط الفجرِ تأتي على ما تبقّى منه... وصاحتِ العصافيرُ وأعلنَ اليمامُ بدءَ يومٍ جديد، والشّمسُ ترتقي جبال العتمات التي لفّت مدينة حلب وتطردُ منها النّومَ والرّقادَ وتحيلها إلى قفيرِ نحلٍ لا تملُّ عذراواته من العملِ، ولا تكلُّ من البحث عن الرّحيق وصنع العسل.ودّعتُ الصّديقَ أبا طوني وذهبتُ إلى نزلي وبعدَ بضع ساعات لملمتُ المضاربَ وهمزتُ الخيلَ معلناً رحلةً جديدة في أرضٍ صديقة.

الثلاثاء، يونيو 16، 2009

رسالة (1)

ديانا الحبيبة
.
ها إنَّ نفسي مغمورةٌ بعطف الطّبيعة وهي تقف على شرفة جبلٍ من جبالِ كسروانَ، ترى بيروتَ - وقد مدّت ساقيها على شاطئ المتوسّط - ومضت تسترقُ السّمعَ إلى هنهنات العصافير وتنهّدات الحمام، خشية أن تقطعَ عليها خلوتها في أحضان البلّوط وسكينة الكروم، بيدَ أنَّ أصواتَ المدنيّة لا تني تكسرُ بضوضائها سكينتنا، فتسمعين بين الحين والآخر أبواق السيّارات المُزعجة كلّ إزعاج، وصراخات البشر حينَ يتحدّثون، وكأنّهم صمٌّ لا يسمعون، وفي غمرة هذا النّزاع بين طهارة الطّبيعة وبراءتها وسكينتها وبين المدنيّة وإنسانها الغارق في الجهل والأنانيّة؛ أقفُ لا أدري أيَّ الطّريقين أسلك... فالطّبيعة الأم لا تكلّ من العطفِ على ابنها الإنسان وأبنائها الآخرين من الأحياء، ولا تملّ من العطاء بسخاءٍ لا مثيل له ودون مقابل؛ بينما المدنيّة المـُصطنعة وإنسانُ يومها هذا خاليان من الجمال والعطاء ومن كلّ فضيلة تجدينها بين الأفنانِ وفي أكناف الطّيور وشرائع الغاب!
.
باللهِ عليكِ يا رفيقةَ روحي ألا تمدّي ليَ يدَ العون فتخبريني أيَّ الطّريقين يقودُ إلى منابع الحياة وبساتين الخلود؟! باللهِ عليكِ ألا يحتار المرءُ إذ يجدُ عالمه بعيداً كلَّ البعد عن عالم الإنسان وترّهاته وسفاسفه ومظالمه وأطماعه وعن كلّ ما اعتمر به قلبُ إنسانٍ من رذيلة؟! كيفَ لي وقد بلغتُ الحادية والثّلاثين فملأتني أدرانُ العالمِ وسلبتني تلك الطّهارة التي وسمتني أيّام الطّفولة والفتوّة... كيفَ لي أن أعودَ إلى أمّنا الطّبيعة وأحملَ إلى أحضانها ما أخذتُه عن العالمِ من قذارة ورذالة؟! حريٌّ بي أن أصمتَ فلا أنطق حرفاً، وأحشو أذنيَّ فلا أسمع صوتاً، وأن أعمي عينيَّ فلا أرى صورةً أو مشهداً؛ عسى سنوات أصرفها بجسدٍ لا حسَّ فيه أن تغسلَ فيَّ هذا العار الصّارخ بكلّ شياطينِه!
.
أريدُ أن أكتبَ إليكِ أكثرَ وأكثرَ وأن أحملَ إليكِ صورةً تبلّغك عن حالي، فاليومَ وحيُ القلم يدفعُ فيَّ كلَّ حماسة، ويمدّني بذخائر الكلم والأفكار، ويهبني أن أكونَ واحداً من أبنائه الكثر؛ إلا أنّي لم أذق طعاماً منذ مساء الأمس، وها قد مضت السّاعات الثمانية عشر ومعدتي تنتحبُ وتصرخُ وتبكّتني قائلةً: ما أشدّ ظلمك يا حجّاج الطّعام، وما أبعدك عن أن تكونَ راعياً تحمل القطيعَ حيث المراعي الخصبة، وما كثرة إهمالك إلا دليلاً على بُعدك عن هذه الحياة الدنيا بكلّ ما فيها من شرٍّ وخير، من قبحٍ وجمال، من نقصٍ وكمال!
.
ومثلما وقفتُ بين الطّبيعة والمدنيّة حائراً في اختيار الصّراط الأقوم، أجدُ نفسي حائراً أيضاً بين القلم الذي لا يرغبُ أن يغادرَ الصّفحة إلا وقد أفضى بكلّ ما في جعبته، وبين الجوع الذي يناديني بأعلى الأصوات، ويحجبُ عنّي بضأضائه الكثيرِ كلَّ وحيٍ وجمال... فماذا تريني فاعلاً السّاعة؟! كلُّ ما في الوجود يبعثُ على الحيرة، فهل للإنسانِ وأطماعِه أن يتخلّى عن شيءٍ مقابلَ شيءٍ أسمى؟! وهل المدنيّة أسمى من الطّبيعة؟! لا وألف لا، فشتّان بين تلك الأعالي تحلّق فيها النّسور، وبين الحضيض تملأه الشياطين! وهل الطّعام أسمى من الكلمة؟! لا وألف لا، إلا اللهمَّ ما كان منه يسدّ الرمقَ ويدفع الجوعَ ويُبقي الحياةَ تسير بوقعها الرّتيب في نفسِ صاحبها! فالكلمة لغة الأرواح ولسان الفكر وحبرُ بناتِه، ومن دونها لا معنى للإنسان بإزاء إنسان آخر، ولا معنى له بإزاء هذا الكون الفسيح، ولا معنى له ولا لوجوده إذا ما عرفَ أنَّ له عقلاً وأنَّ له حواسّاً خمسة تبحثُ فيه قبلَ أن تبحثَ في أيِّ شيءٍ آخر.
.
لكنَّ العالمَ ومدنيّته البائسة وقد قلبت المفاهيم، وقضّت مضاجعَ الفكرِ، وحمّمت برمادها وثفلها كلَّ جمال؛ جعلتِ الطّعام والمالَ والجسدَ أسمى من الكلمة والرّوح، وهذا لعمري بدء المخاض! لستُ أقولُ مثلَ أصحاب المدينة الفاضلة والمثل التي تبقى في أطرها مثلاً بعيدة عن واقع الإنسان ومصائبه التي تسحُّ من غيومِ مدنيّته الثقيلة، لكنّي أسأله أن يرأفَ بروحِه وأن يردَّ الجميلَ إلى أمّه الطّبيعة التي غمرته وتغمره بكلّ عطفٍ وسخاء؛ ولا أجدُ منه إلا النكران فما أشدّ غيّك أيّها الإنسان، وما أبعدك عن ردّ المعروف يا إنسان اليوم، وما أحلك ظلمتك يا بشرَ المدنيّة الضالّة! ألعلّك تكره ما فيكَ وتجدُ أنَّ الصّورة التي وُهبتها بشعة إلى حدّ أردتَ فيه أن تنزعها عنك وترسم لك ولأرضِ وجودك صوراً أخرى من صنعِك ومن بنات أفكارِك؟! أم تُراكَ خرجتَ من هذا العالم مثلما خرجَ منه الشّيطانُ الأكبر؟ لكنَّ الفرقَ بينَك وبينه أنّك عبدُ الشّياطين وهو سيّدهم، أنّك خرجتَ منه بما تصنع وجسدُك عالقٌ فيه، وهو خارجٌ عنه بكلّ ما فيه... بروحِه وشرورِه التي لا تُعدّ ولا تُحصى.
.
هل لي أن أسألَك يا بشرَ اليوم عمّا تريد وأين تريد أن تبلغ؟! هل لكَ أن تبدي لي مأثرةً تبقيكَ إنساناً وُلد من الطّبيعة وهو منها وإليها يعود؟! أفي هذه المقابر التي تدفن فيها زبالة استهلاكك عديم النّفعِ؟! أم في تلك المصانع التي تُخرج منها ما يفتُك بالأرواح قبلَ الأجساد؟! أم في الصّناعة التي حشيتها من سموم الجحيم وأخرجتها طعاماً يُباعُ في الأسواق؟! أم في الرّذيلة تنشرُها في كلّ مقروءٍ ومسموع، أمام الصّغار قبلَ الكبار؟! لا يسع لساني وصفَ الحضيض القابع أنتَ فيه، ولا عدَّ قباحاتك، ولا حتّى الكلام بعدُ عنك وعن هذا التبدّل الطارئ في عالم الخير وعالم الشرّ، في عالم الحقّ والجمال وعالم العنت والقبح... هذه الصّورة تمثّلك يا إنسانَ المدنيّة المهترئة، أيّها السّاعي إلى حتفه بجدٍّ ونشاط، يا فاقد العقل والوجدان، يا معدوم الضّمير.
.
عزيزتي ديانا
.
يبدو أنّي أسكتُّ حتّى اللحظة صراخات بطني لكنّي لن أقوى على الصّمود أكثر من ذلك... أُعلمُكِ بأنّي الآنَ في لبنان أسرّح الطّرفَ بجمالِه وبشاعة تمزّقه، بلغتُه صباح الاثنين الماضي وكما تعلمين قد أبقى فيه لأشهرٍ لا أعلمُ كثرتها السّاعة! وأرجو أن أسمعَ عنكِ وعن أخبارِك التي قطعتِها وكأنَّ مسَّ المدنيّة بدأ يحومُ حول بيتك فيبعدك أكثر في تلك اللجّة سحيقة الغور وسودائه!
.
أبعثُ إليكِ هذا التعليق الذي جاءَ على مقالتك المُحكمة "أنا سوري... آه يا نيّالي"، وكلّي أمل أن تنشريه، وهذا يعودُ إليك ِقطعاً! وأنتِ تعلمين أنَّ واجبَ الكاتبِ هو في نشرِ الثّناء والمديح والنّقد والتجريح ليعطي لكلِّ ذي حقٍّ حقَّه، فأمّا القرار فلكِ.
.
لتبقى المحبّة عامرةً في قلبِك والصّفاءُ في فكرِكِ، ودمتِ لمُحبّك...

السبت، أبريل 25، 2009

بَعثرة بَشَر!

الاثنين 29 أيلول 2008 (دمشق)
.
كانَ شوقي يدفعُني إلى الإسراعِ إليه... إلى رؤيته والعبث بما يحتويه! سرتُ نحوَ جسرِ الرّئيس في العاصمةِ السوريّة لغايةٍ واحدةٍ فقط: رؤية المئات والآلاف من الكتبِ المتناثرة على الأرصفةِ والزّوايا الممتدّة بين الأعمدة. جلتُ بينها ولمحتُ سلسلةً أجهدُ في اقتناءِ أعدادها كانت تصدر من العاصمة الكويتيّة تحت اسم "المسرح العالميّ"، واليوم آلت إلى "إبداعات عالميّة" لتشملَ، إضافةً إلى المسرح، سائر الفنون الأدبيّة من شعرٍ وقصّةٍ ورواية... إلخ. اتّفقتُ مع البائع على شراء كافّة الأعداد الموجودة لديه، فرضي بخمسٍ وعشرين ليرة ثمناً للعدد الواحد. بلغتْ الأربعينَ فدفعتُ إليه ورقةً ماليّةً واحدة من فئة الألف! عجّلتُ في السّير بهذا الحملِ الثّقيل معنىً ومبنىً، وعندَ وصولي إلى صفّ المكتبات في الحلبوني، والكتب ترزحُ فوقَ الكتفِ الأيمن، وإذ بصديقٍ أعرفُه يمرّ بقربي فبادرتُه:
- أهذا أنت؟! أينَ كنتَ يا رجل؟!
- أهلاً أهلاً يا للمصادفة! لو تمنّينا اللقاءَ لما كانَ بهذا الشّكل!
- ألم تغادرْ البلدَ بعد؟
- اليومَ عصراً أسافر فبعد أسبوعٍ تبتدئ الدّروس.
- أنا جائع وأبحثُ عن مطعمٍ صغير أملأ فيه هذه المعدة الخاوية، هل تأكل معي؟!
- لا، اعذرني أرجوك فأنا صائم.
- أنا آسف... نسيتُ أنّنا في شهرِ الصّيام، حسناً ما دمتُ معك فلأبقَ صائماً!
.
أخذنا الطّريقَ في اتّجاه مؤسّسة البريد تاركين الحجازَ إلى الخلف وعرّجنا خلالَ أحاديثِنا الكثيرة السّريعة على "البونيّ" الذي اشتهرَ في التراث الإسلامي بالكتابة عن المعرفة والحكمة والسّحر، وأخبرتُه أنّي تعبتُ من البحث عن كتابِه "منبع أصولِ الحكمة" في القاهرة ولم أعثرْ عليه إلا في مكتبةٍ صغيرة بقرب "دار المعارف" المصريّة. أجابني: يا رجل هذا من أشهر الكتب في هذا الحقل وهو موجودٌ بكثرة في دمشقَ، لماذا لم تسألني؟ لم أكن أعرفُ ذلك فقد أُخبرتُ في العاصمة المصريّة أنّه من الكتب الممنوعة، واقتناؤه قد يعرّضني للسّجن، وبرغم ذلك حملتُ منهُ معي نسختين.
.
وصلنا أخيراً مكتبة "النوري" وسألتُ أحد الباعة فيها عن مؤلّفات الأديبِ اللبنانيّ الكبير ميخائيل نعيمة. قادني إلى مجموعة مطبوعة في "دار العلم للملايين" تضمُّ كافّة كتاباته بما فيها الرسائل وسيرته التي كتبها عندَ بلوغه السّبعين من العمر وسمّاها حينئذٍ "سبعون". بلغَ ثمنُها سبعة آلاف وثمانمئة ليرة سوريّة وهو ثمنٌ زهيدٌ جداً أمام قيمة المجموعة الكاملة. قلتُ للبائع: سأرسلُ إليكَ صديقاً يشتريها من أجلي إذ لا قدرة عندي بعد على حملِها بمجلّداتها التسعة. وقبلَ أن أخرج اشتريتُ كتابين أحدهما في علم الأديان المقارنة لعالمٍ ألمانيّ لا يحضرني اسمُه السّاعة، والآخر في علم التأويل وهو الترجمة العربيّة للهيرمينوطيقا يدورُ حول تاريخ هذا العلم الحديث والبحث في أهمّ أعلامه.
.
عندَ الباب ودّعتُ صديقي الدّومانيّ على أملِ لقاءٍ قريب في مثوى الدّراسة روما. أسرعتُ من هناك إلى مكتبٍ للشّحن أرسلتُ منه الكتبَ الأربعين التي هدّت منكبيَّ، ثمَّ أخذتُ طريق العودة إلى نزلي في حيّ القصور، حيثُ أكلتُ على عجلٍ وأصرَّ صديقي على أن يقلّني بسيّارته! كانَ جراجُ حرستا على عتبةِ ثورةٍ بشريّة فقد غصَّ بكلِّ شكلٍ ولون. اعتقدَ المسلمون أنَّ العيدَ يقع في يوم الغد فقد سبقتْ المملكة السعوديّة إلى الإعلان عن ظهور القمر، ولهذا غادرَ دمشقَ كلُّ غريبٍ وعابرُ طريقٍ بمن فيهم الطلبة والعساكر وأولئك الذين رغبوا في قضاء العيد بالقربِ من عوائلهم وأقربائهم في المدن والمحافظات الأخرى.
.
هرعتُ بدوري إلى المكاتبِ أبحثُ عن شاغرٍ في حافلة مسافرة إلى المنطقة الشرقيّة، لكن عبثاً بحثتُ، فقرّرتُ السّفرَ أوّلاً إلى حلب خوفاً من التخلّف والبقاء في العاصمة طوالَ أيّام العيد. بعدَ عناءٍ ومزاحمةٍ وتدافع بين العشرات عثرتُ على مكانٍ بعدَ ثلاث ساعات كانَ عليّ أن أقضيها بين هذا الرّكام جالساً أو سائراً أو متأمّلاً! جلستُ على مقعدٍ خشبيّ وقرأتُ قليلاً في رواية الماغوط "الأرجوحة"، ثمَّ دوّنتُ بضعة مشاهد مرّت في فكري وأمام بصري، وتكلّمتُ عبر الهاتف مع عددٍ من الأصدقاء، والوقتُ لا يمضي أو لا يُريدُ ذلك! التفاتة هنا وهناك تحدّثك عن العساكرِ بثيابِهم الخاكيّة وشعور رؤوسهم المحلوقة، والرّجال والنّساء والأطفال مبعثرون بانتظار أوقات الرّحيل، والذّبابُ المسافرُ هو الآخر عبر الأثير يتواثبُ على الوجوه والأجسادِ والقمامة! تتداخلُ اللهجاتُ والأصواتُ ثمَّ تختلطُ، وتغيبُ الأشياءَُ في عتمة الانتظار. طالَ المكوثُ فقمتُ وتبوّلتُ بخمس عشرة ليرةٍ سوريّة... وبعدَ ساعةٍ بالضّبط كرّرتُ ذلك ودفعتُ الليرات كالسّابق. أن تتبوّل في هذا الوطن الكبير عليكَ أن تدفعَ من مالِك... وأن تتغوّطَ عليكَ أن تدفعَ من جيبِك، وأن تمشيَ وأن تتنفّسَ عليكَ أن تدفعَ وجيبُك يخلو وكروشهم تُحشى! ضرائبُ الحياةِ في ازديادٍ مطّرد وفقرُ التّعساء في ازديادٍ مطّرد وكلُّ شيءٍ في ازدياد إلا الكرامة والشّرف في وطنٍ ضاقَ بأبنائه!
.
عُدتُ إلى جلستي المعهودة على مقعدٍ خشبيٍّ تلوّنَ بفعل الظّروف والبشر. وما أن حملتُ القلمَ من جديد حتّى عاودت تلك الرّؤوس حركتها فاشرأبّت الأعناقُ واتّسعت الأحداقُ بفضولٍ تنظرُ هذا الغريبَ الذي يكتبُ شيئاً ما! أن تكتبَ فأنت غريبٌ... أن تفكّرَ فأنت غريبٌ... والغرباءُ في وطني يتناقصون ويتضاءلونَ والأمكنة تضيقُ باحتوائهم، وأهلُ البيتِ يزدادونَ بغير حساب!
.
أصنافٌ من البشر تزدردُ الطّريقَ الممتدّة بين المكاتب وإن تجرّأتَ على دخولِ أحدها، فما عليك إلا المقامرة والمغامرة بأن تلقي جسدَك وحمله بين الصّفوف المتراصّة المتدافعة، فتنهالُ اللكماتُ والرّفساتُ... وأيادٍ تلعبُ بالمؤخّرات والجيوب الفارغة، ومسافرون يصيحونَ وأسماء المدن تتناقل بين المسامع بينما يصمتُ الموظّفون أمام السّائلين، وانتظارٌ ولا إجابة! أرجوكِ... يا آنسة أرجوكِ... مكاناً واحداً فقط إلى حمصَ... إلى حماةَ... إلى حلبَ... إلى دير الزّور!!! وأخيراً ينهالُ الغيثُ فتكسرُ موظّفةٌ حاجزَ الصّمت قائلةً: شاغرٌ واحد فقط إلى الميادين! فينفجرُ البركانُ و"هاتِه" تأتيها من كلِّ حدبٍ وصوب! تهتزُّ الأيادي في الهواء تحملُ البطاقات الشخصيّة وتتساقطُ النّقودُ على الأرض فتغيبُ بين الأقدام. السّائلون يصيحون والموظّفاتُ يصمتنَ. وفتاةٌ تجلسُ مشمأزّة بقميصٍ يضيقُ بصدرِها فتنشدُّ أطرافُه وتختنقُ الأزرار أمام تدافع نهديها الكبيرين المثيرين! بينما يصيحُ لونُ حمّالة ثديَيها تحت قماشٍ شفّافٍ: أسود! أسود! أسود!
.
ضأضاءٌ يرتفعُ وصمتٌ ينخفضُ لا بل ينكسرُ، وموسيقى بلديّة مشوّهة تشنّف الآذان والجموع تتزاحمُ والأرصفةُ تضيقُ والأماكنُ يحتجزها الواقفون والجالسون والمقرفصون والنّائمون... أفواهٌ تدخّنُ وأخرى تعلكُ وتمضغُ طعاماً وتشربُ شيئاً فتصعدُ الحناجرُ عندَ كلّ لقمةٍ وتهبط! حاويةُ قمامة مرميّة في وسط الطّريق وقذاراتها متناثرةٌ تحت يديها ورجليها، وأكياسٌ مملوءة وأخرى فارغة ومناديل ملوّثة بالمخاط والبصاق والدّماء وأحمر الشّفاه مدعوسةٌ بين الإسفلت والإسفلت! وأعقابُ السّجائر المرميّة المسطّحة تحت النّعال تبكي ذاك الماضي التليد بين الشّفاه، كما يبكي العربُ حضارةً لم تكن يوماً! فتياتٌ تروحُ وتجيء بأردافٍ تهتزٌّ مخنوقة وخدودٍ ترتجفُ بخجلٍ وبينهنّ كاعبٌ ناهدٌ تفترسها النّظرات من القدمين فالركبتين فما بين الفخذين حتّى النّهدين فالعنق فالشّفاه فالعينين، ثمَّ تعيد الكرّةَ نزولاً وصعوداً حتى تغيب عن البصر! فأمّا السّماء فمزرقّةٌ تتخلّلها غيومٌ تسيرُ ببطءٍ وتتحوّلُ من شكلٍ إلى آخر ساخرةً بأبناء البشر ورؤوسهم الفارغة من العقول المحشيّة بالنفايات وما تبقّى من رماد الغلاء!
.
وأنا مثلي مثل المئات أحلمُ بالمنزلِ حيث الدّفء والطّعام، هناك حيث لا جوع ولا عطش إلا في أيّام الرّقابة العمياء والسّرقات والفساد واللصوصيّة والسّطوة على كلّ شيء بما فيها العقول والأفكار والأقلام. تعبتُ مثلما تعبَ الكثيرون من الرّواح والمجيء وشتمتُ مثلهم آلاف المرّات ولعنتُ آلهة الوطن ومعابده المقفلة في حجرات القصور، وبصقَ العساكرُ لعابهم الأصفر بفضلِ أسنانٍ لوّثها الدّخانُ وامتزجتْ بها الأميّة العمياء! وراحَ الشبّانُ يلاحقونَ الأردافَ المهتزّة إلى اليمين فالشّمال أو الأمام والوراء، لا فرقَ في الاهتزاز إلا الشهوة والاتّجاه! وبينما راحوا يلاحقونها رحتُ أبحثُ عن مثوى ألقي فيه ما تبقّى مني من السّباب وحبّات العرق وأنفاسٍ تخيبُ عندَ كلّ مرأى. هناك إلى جانبِ شبّان من عرب الميادين وألبوكمال جلستُ، وأسمرٌ بقربي سحبَ سيجارةً من علبة "الحمراء" وانتظرَ، لا أدري ماذا انتظر! حتّى طلبتُ منه واحدةً فقالَ: لا ولاعة عندي. أخرجتُ ولاعتي وأشعلتُ لفافته ثمَّ لفافتي وصَمَتْنا حتى اكتمال الموعد!