الخميس، أكتوبر 30، 2008

اسقِ العطاشَ... في سوقِ الجُمعة!

ماذا يعني كلُّ قديمٍ؟ ولماذا أشعرُ كلّما اقتربتُ منه بشعورٍ غريبٍ؟! ما هو الدّافعُ الذي يشدّني إليه، أهوَ التاريخُ والماضي، أم رائحتُه التي تحملُ في لفحاتها عبقَ الذّكريات وصورة الأجيالِ الماضية؟
.
هكذا تساءلتُ وأنا مزمعٌ على الذّهابِ إلى سوق الجمعة في مدينةِ الشّهباء! أشرتُ إلى سيّارةِ أجرة فتوقّفتْ وولجتُ داخلها مُسرعاً هرباً من صراخِ السيّارات خلفنا... إلى أين؟ قالَ السّائقُ الشّاب وهو ينظرُ يميناً ويساراً. سوقَ الجمعة، أجبتُه باختصارٍ. بعد عدّة دقائقٍ نظرتُ إليه وقلتُ: إلى أينَ أنتَ ذاهب؟ هذا الطّريق لا يوصلنا إلى السّوق! أجابَ: ألم تعلمْ بأنّ المحافظة اليقظة السّاهرة على المواطنين وراحتهم نقلتْ السّوقَ من جانب المخيّم إلى طريقِ الرّاموسة؟ لا واللهِ، فآخرُ مرّةٍ مررتُ به كانت السّنة الفائتة... فضحك وقال: في سنةٍ بلدُنا بحالِه يتغيّر، فكيفَ بسوقِ الجُمعة وأصحابِه وروّادِه المساكين؟!!
أردف: تصوّر يا رجل بلديّتنا ومن ورائها المحافظة ليس لهم لا ضميرٌ ولا وجدان، يضعون سوقاً بأكمله على الطّريق العام السّريع (الأوتوستراد) حيث الشّاحنات والحافلات، لا يهمّهم إن تعثّرت شاحنةٌ ما فانحرفت ووطئت السّوق بمن وما فيهِ، وأعقبَ ذلك بشتيمةٍ من العيارِ الثّقيل لا تُسمع إلا قرب السّائقين!
.
وصلنا الأوتوستراد، ومن بعيدٍ لمحنا السّوقَ في الجانبِ الآخر، فقال لي: إذا حملتُك إليه مباشرةً، عليّ أن أقطعَ مسافةً طويلةً جداً، فنهاية الأوتوستراد بعيدة، فأمّا إن أردتَ السّير راجلاً إليه، فهذا شأنُك، ماذا تقول؟ قلتُ: عُدْ أدراجَك وادخل بين الحارات ولنسأل هناك عن طريقٍ فرعيٍّ قريب. دخلنا حياً فقيراً بيوته متآكلة الجدران ومحلاته بسيطة جداً، وهناك سألنا مجموعةً من الشبّان عن غايتنا، فأشاروا إلينا بالطّريق. نزلتُ عند بداية السّوقِ، وهالني أنّه مقسومٌ بين جهتي الطّريقِ السّريع ممتداً حتى الجسر المشيّد فوقه. اجتزتُ الأوتوستراد بعد أن قفزتُ فوق صبّات الإسمنتِ التي تفصلُه شطرين وتوجّهتُ إلى الجسر حيث فُرشت البضاعة التي تحملُ من كلِّ وادٍ عصا! كنتُ أشتهي الكتبَ القديمة وبعدَ قليلٍ عثرتُ على بعضها مرمياً على الترابِ مكدّساً دون ترتيبٍ... جلستُ القرفصاء أقلّبُ بينها، حتى لمحتُ كتاباً مصفرّاً قرأتُ عنوانَه: "كتاب النّشيد والموسيقا للمرحلةِ الإعداديّة، للصفوف الأوّل والثّاني والثّالث، تأليف نهاد الفرا وهاشم فضة وإبراهيم الدرويش" طُبع في سنة 1960 في مطابع دمشقَ والاتّحاد. رفعتُه مع كتابٍ قديمٍ بالأرمنيّة وسألتُ البائعَ عن الثّمن فأجابني وهو يصيحُ: كل واحدٍ منها بخمس عشرة ليرةٍ، دفعتُ له خمساً وعشرين ليرة فرضي بها، وتركتُ المكان ظافراً بهذه اللقية.
.
في طريقِ العودةِ قلّبتُ الكتابَ فوجدتُه مقسوماً بين الموسيقا والأناشيد، فأمّا الدروس الموسيقيّة فكانت موزّعة على ثلاثةِ أجزاءٍ كلّ واحدٍ منها لصفٍّ. في الأوّل يتعلّمُ الطالبُ ماهيّة الموسيقا والصّوت وعلاماتها الزمنيّة ثمّ التدوين الموسيقيّ فموازينه، فالسلّم الموسيقيّ وعلامات التحويل والقراءة الإيقاعيّة والصولفيج الغنائيّ. الجزءُ الثّاني يتخصّص في السلّم وأبعادِه واشتقاقه وتسميته وتكوينه. فأمّا الثالث فكان منصبّاً على تكوين السّلالم الموسيقيّة على اختلافِها. يلحقُ بهذه الأجزاء ملحقٌ مدعوٌ بـ"قسم التذوّق الموسيقيّ" يتحدّث عن الآلات الموسيقيّة وتركيبِها، والفرق الموسيقيّة بأنواعها، فالتأليف الغنائيّ الغربيّ فالعربيّ، ويذكر علمين من الأعلامِ العربِ أوّلهم أحمد الأوبري الحلبيّ السوريّ (1895- 1952)، وثانيهم سيّد درويش المصريّ (1892- 1923).
.
في إحدى الصّفحات عثرتُ على مقالٍ يُسمّى "الفاصل الغنائيّ (اسقِ العطاش)"! ومن منّا لا يعرفُ هذا الفاصل الحلبيّ الشّهير الذي أبدعَ فيه الفنّان السوريّ صباح فخري؟! ومن منّا لم يطرب بسماعِه مع هزّات هذا المطرب المُمتِع؟! أعجبني حقاً لأنّه يبحثُ في نشأته وشرحه بشكلٍ سلسٍ موجز، فرمتُ في نفسي أن أنقله إليكم لفائدته. جاءَ في الصّفحة 22 و23 من "قسم التذوّق الموسيقيّ" وقد سبق ذكرُ العنوان:
.
"يا ذا العطا يا ذا الوفا يا ذا الرّضا يا ذا السّخا اسقِ العطاشَ تكرّماً.
بهذا المطلع يُستهلُّ هذا الفاصلُ الغنائيُّ الرّائعُ الذي جادتْ به قرائحُ السّلفِ الصّالحِ في بدائع الفنِّ الموسيقيِّ الشرقيِّ العربيِّ السوريّ وهو من آثارِ حلبَ الشّهباء العريقةِ النّسب بالفنِّ الموسيقيّ.
وقدْ أُخذَ هذا الفصلُ الفنّي عن كتاب (سفينة الألحان) وكان قدْ جمعَه المرحومُ الشّيخُ محمّد الورّاق مُنشدُ التكيّةِ الهلاليّة بحلب، حوالي عام 1880م. الذي كانَ يتحلّى بالعلمِ والفَضلِ ومن أئمّةِ المؤلّفين والمُلحّنين وقدْ تخرّجَ على يديه عددٌ كبيرٌ من أربابِ المُنشدين والمُلحّنين في ذلك الحين.
.
اسقِ العطاشَ: إنَّ الأقوالَ بتسميةِ هذا الفصل متضارية [يُريدُ متضاربة]، فمن قائلٍ: "إنَّ قحطاً أصابَ مدينةَ حلب ذات سنةٍ فشحّتْ مياهُها وجاعَ النّاسُ فتضرّعوا إلى الله أن يسقيَ عطاشَهم". ومن قائلٍ: "إنَّ اسقِ العطاشَ رمزٌ صوفيٌّ إلى قولٍ غزليّ وُجّه إلى الذّات العُليا مجازاً وهو بمثابةِ (دور) يُتلى في الأذكار والمقامات الدينيّة". ومن قائلٍ: "إنَّ الحادثةَ وقعتْ في مصرَ قديماً بدليلِ العادةِ المتّبعةِ في هذا البلدِ، حيثُ يجتمعُ رؤساءُ الأديانِ المختلفةِ عندَ حدوثِ انخفاضٍ في مياه النّيلِ، ويبتهلونَ إلى الله باستمطارِ غيث الرّحمة. فيذهب الأذى عن النّاسِ". وصفوة القولِ أنّ كلَّ ما يُقالُ في هذا الموضوع يُمكنُ أن يكونَ صحيحاً، لأنَّ الطّقوسَ المُتّبعةَ في أكثر المدن الشّرقيّة وفي البلادِ العربيّة خاصّةً لا تُنافي ما جاءَ عنه.
.
إنَّ منظومة وغنائيّة فاصل اسقِ العطاشَ يُمكن أن تكونَ تضرّعاً أو مديحاً أو رمزاً تصوّفياً، غير أنّنا إذا بحثنا عن موسيقا هذه المنظومة وألحانها وما تتضمّنه من أدوار وموشّحات وتهاليل وتجاويد نجدُ عندَ تحليلِنا ألحانَها والأسلوب الذي صيغتْ به تلك الألحانُ والأنغامُ، نجد أنّها سوريّةُ المنبت حلبيّةُ اللهجة والأسلوب والطّابع الغنائيّ. وأكثر الموشّحات التي تُنشدُ في هذا الفاصل هي من نظمِ وتلحينِ الشّاعرِ المتفنّن المرحوم الشّيخ أمين الجنديّ الحمصيّ. وينتهي هذا الفاصلُ عادةً برقصٍ شهيرٍ يُطلقُ عليه (رقص السّماح).
.
وإذا ما قُدّم هذا الفاصلُ بفرقةٍ كاملةٍ من المُنشدين (كورس) برفقة فرقةٍ موسيقيّة كاملة على أحد المسارح، وروعي في تقديمِه الاعتناءُ بالرّقصات والتّأديةُ الغنائيّة والموسيقيّة والتّمثيلُ المُتقنُ والإخراجُ المسرحيّ؛ فقد يُعتبرُ هذا الفاصلُ بحقٍّ (أوبريت عربيّة موسيقيّة غنائيّة راقصة)، وقد تُشبه (الباليه) الرّاقصة عندَ الغرب، وتمجّد هذه التّحفة الغنائيّة الفنَّ والتراثَ العربيّ الأصيل".
.
هُنا ينتهي ما جاءَ في الكتاب عن فاصل "اسقِ العطاشَ" الحلبيّ السوريّ.
.
نقلتني الذّاكرة إلى الدروس الموسيقيّة التي حصّلناها في المدرسة الإعداديّة في ظلّ المنهاج التعليميّ البعثيّ، وتذكّرتُ معلّمتنا الشّابّة المتخرّجة من المعهد الموسيقيّ والتي ما كانت تلمّ ولا حتى بمعرفة السلّم الموسيقيّ، تدخلُ علينا تحملُ حقيبتها ثمّ تسلّم وتقول: مين بيعرف يغنّي؟ يعني بالمشرمحي مين صوته طيّب؟ فنهتف بأجمعنا: معلمة، فراس طوشنا مالصّبح للمسا بالغناء شو رأيك تجربيه؟! تجيبُ بنشافٍ وتقول: اطلع عاللوح ولى، شو ما سمعت؟ فيقفُ فراس العربيّ بثياب المدرسة العسكريّة ووجهه إلينا وظهره إلى السبّورة ويُنشدُ خجلاً محمرّاً ويقول: "مراسيل أنا ودّيت، مراسيل... ولا مرّت على البيت، مراسيل... يا ناس والله أحبهم، اشقد قاسي قلبهم...". وهكذا مضى العامُ الدراسيّ وفراس ينشد مقطوعته الشّهيرة "مراسيل أنا ودّيت"! حفظها جميعُ الطلاب وصرنا نترنّم بها نحنُ أيضاً في منازلنا، في الشّوارعِ، وفي تحيّة العلم!!!
.
في العامِ التالي جاءتنا معلّمةٌ جديدة، واُستبدلَ فراس الشاويّ بفتى آشوريّ، كما اُستبدلت أغنية "مراسيل" بأغنية لجورج وسّوف يقولُ في مطلعها: "أنتِ وأنا يا ريت عنّا كوخ ... مخبّا بفيّ الحور والكينا. ولا يكون عنّا كهربا ولا جوخ ... ونعيش ما يعرف حدا فينا".
.
الكتابُ الذي اشتريتُه من سوق الجمعة من بين الأتربة يعلّم الطالبَ أصولَ الموسيقا وقواعدها وفنونها لأنّه طُبع في بداية الستّينات أي ما قبل ثورة الثّامن من آذار التي نسخَ فيها حزبُ البعث العربيّ الاشتراكيّ كلَّ فكرٍ وعلمٍ ومعرفة. فأمّا ما يتعلّمه الطالبُ السوريُّ المسكين في قيادة البعث الحكيمة اليوم، فلا يتعدّى موّال "مراسيل" بلهجة الأعراب البدو، أو على الأكثر موّال "أنتِ وأنا يا ريت عنّا كوخ" بلهجة أهلِ السّاحل.

هناك تعليقان (2):

سوزان يقول...

كان يزورنا الأستاذ نهاد الفرا في البيت، يغني ويعزف على عود أختي الذي كان يتحول بين يديه من عود تدريب فاشل، كما كانت أختي تعتبره، إلى آلة موسيقية حقيقية، كنا نضحك ونقول لها: معقول هذا هو نفس العود!. وحديثه عن ذكرياته مع عبد الحليم حافظ في المعهد العالي للموسيقى، وكيف أنه بعد أن عاد من مصر، استلم وظيفة مدرس في إعدادية ذكور أصواتهم تشبه صوت الدب الروسي.
أما الأستاذ هاشم فضة فكل ما أذكره عنه هو أنني كطفلة كنت أهرب خوفاً منه كلما صادفته، لا لشئ إلاّ لأنه المدير. شكراً أستاذ سيمون على هذه الذكريات الجميلة.

سيمون جرجي يقول...

عزيزتي سوزان
شكراً لهذه المعلومات الثرّة التي أضافت شيئاً لما وردَ أعلاه. رائعٌ أن يتذكّر المرء مثل تلك الأحداث مع علمين موسيقيّين من أعلامنا المغمورين.
مودّتي.