الأحد، فبراير 08، 2009

مجمعُ الأديان

الـجُمعة 18 تـمّوز 2008 (القاهرة)
.
كانَ اليومُ مُميّزاً، فقد رقدتُ الليلة الماضية، وللمرّة الأولى منذ احتلالي كوبري غَمْرَة في العاصمةِ المصريّة، مبكّراً، تقريباً عندَ مُنتصف الليل! ولأنّي لم أعتد النومَ مع الدَّجاج فقد كانَ غيابي قصيراً حتّى لفحني الصّباحُ بنورِه وأرعشَ جفنيَّ فتفتّحا في الخامسة والنّصف. كانَ الفطورُ دسماً هذه المرّة فقد ازدردتُ بيضتين و"عيشاً" (خبزاً) مصريّاً مع كأسٍ من الشّاي الثّقيل وتراوحت ملحقاتُ هذا الصَّبوح بين الجبنةِ واللبنةِ. أسرعتُ إلى بريدي الإلكترونيّ فقد كنتُ مداناً إلى صديقةٍ برسالةٍ طويلةٍ أجترُّ فيها رسائلها الأخيرة وكلَّ ما دارَ فيها، ثمَّ ألقي في كتابي إليها بوحَ القلبِ والعقلِ المنعقدَين في ثنايا السّطور.
.
ما يزالُ عندي وقتٌ طويل فحدّثتُ نفسي ودعيتُها إلى مائدة من موائد الأدبِ الرّوائي المصريّ، فعندَ وصولي بلدَ النّيلِ والأهرام تذكّرتُ رواية نجيب محفوظ تلك التي حامت حولها منذ فترة قصيرة أقلامُ النقّادِ والأدباء والصحفيّين "أولادُ حارتِنا". والقصّةُ باختصار هي التّالي: رغبت إحدى دور النّشر بإعادة نشر هذه الرّواية، فاشترطَ الأديبُ المصريُّ موافقةَ الأزهر لأسبابٍ عدّة أهمّها تحريم روايته لأسبابٍ دينيّة لا أرغبُ الدّخول في تفاصيلها. وافقَ الأزهرُ وكتبَ أحد أركانِه مقدّمتها بعدما نشرَ تلك المقدّمة في الصّحافة على أنّها كانت عرضاً لنواة تدور أساساً حول مقابلة أُجريت مع المؤلِّف وفيها أنكرَ كلَّ اعتراضٍ دينيّ وأثبتَ إيمانَه بالتّوحيد وبدين الإسلامِ... ثارت الأقلامُ الحرّة على الأديب المصريِّ وكُتبتْ شتّى المقالات تدين هذا التصرّف، لأنّه قد يكون فاتحةً لتحريم الأدبِ وتحليلِه من قِبلَ السّلطات الدينيّة أيّاً كانت. هذه المناوشات التي حدثت منذ فترة لا بأس بها لفتت نظري، ولضيقِ الوقت تجاوزتُ الرواية ولم أخصّص لها مكاناً في برنامج قرصنتي الثقافيّة... وحالما بلغتُ مصرَ قرّرتُ تأويلها والتحليق في عالمِها بين التحريم والتحليل!!!
.
تلقّفتُها ذاك الصّباح بشغفٍ وفضولٍ وقرأتُ منها الصّفحاتُ الأولى وكيفَ طردَ الجبلاويُّ ابنَه البكر إدريس ابن الهانم وعيّن أدهمَ ابنَ الجارية مديراً للوقف... ارتفعت الشَّمسُ في كبد السّماء فتركتُ الرّواية وهممتُ في مغادرة المنزل.
.
وصلتُ مترو الأنفاق وانطلقتُ من محطّة غَمرة باتّجاه حلوان، فمررنا في طريقِنا على تاريخٍ سياسيٍّ حافل بالرؤساء والعظام، بدأنا بأقربِهم حسني مبارك ثمَّ التقينا بأحمد عرابي فجمال عبد الناصر صاحب الوحدة المصريّة السوريّة، وسلّمنا بعدَها على أنور السّادات الذي اغتيلَ في أثناء عرضٍ عسكريّ وهكذا مررنا بسعد زغلول فالسيّدة زينب فالملك الصّالح حتّى وصلنا مار جرجس، فنزلتُ أحثُّ الخطى للخروج إلى منطقة مجمع الأديان في مصر القديمة. هذه المنطقة الزّاخرة بكنائسٍ قديمةٍ تعود إلى ما بين القرنين الرّابع والثّامن.
.
حالما بلغتُ الشّارعَ طالعتني يميناً كنيسة القدّيسة العذراء والشّهيدة دميانة الملقّبة بـ"المعلّقة"، وإلى يساري ارتفعت كنيسة اليونان الأورثوذكس الدّائريّة، فخطوتُ إلى اليمين راغباً في زيارة الأقباط في بطريركيّتهم القديمة تلك التي علّقت فوق برجين من أبراج حصن بابليون القديم، فأخذت تسميتها من واقعها، كما ويتحدّثُ أصحابُها بقصّةٍ طريفة مفادها أنَّ مياه النّيل كانت تبلغ هذه الأطراف فقاموا بمدّ جذوع النّخل فوق جدران المعبدِ الرّوامنيّ القديم، وفوق هذه رصفوا الأحجار ليشيّدوا عليها كنيستهم تلك. ولهذا فهي الكنيسة الوحيدة بغير قبّة فأمّا سقفها فهو خشبيّ على شكلِ فلك نوح الذي نجا من الطوفان. وقفتُ أمامها أمتّعُ النّظر بهيبة الباب الخشبيّ المزركش وقد توّجتْه آيةُ المسيح بخطٍّ عربيٍّ كوفيٍّ جميل تقولُ: "سلوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يُفتح لكم". ولجتُ منه أسألُ وأطلبُ وأقرعُ الأبوابَ راجياً أن أُعطى وأجدَ ويُفتحَ لي!
.
في الفناء تتوسّطُ بضع شجيرات وأشجار وفي صدرِه السلّم الحجريّ الموصل إلى الكنيسة عبر بابٍ آخر تعلوه عبارةٌ ذات مغزى ومعنى تقول: "من أرادَ الغنى فالقناعةُ تكفيه". قرأتُها وابتسمتُ متذكّراً الجدلَ الذي صارَ في أحد المنتديات الإلكترونيّة قبل مدّة حول القناعة والطّموح وهل يجمعهما شيءٌ أم يفصلُهما التضادُّ. عبرتُه فبلغتُ ردهةً تملؤها صورُ بطاركة الأقباط في القرن العشرين وهناك اصطفّت الكتبُ والمنشورات والتذكارات فاجتزتُها ودخلتُ المعبدَ المفعم بعبق البخور واللبان. نظرتُ إلى الشّرقِ فوجدتُ أنَّ الستائرَ تحجبُ قدسَ الأقداسِ وتخفيه عن عيون الزّائرين، وصحنَ الكنيسة عبارةٌ عن ثلاثة أقسامٍ يتربّع في القسمِ الأوسط البيما، أي المنبر، مرتفعاً ثلاثة أمتار، وهو تقليدٌ عريقٌ في القِدم ويمتاز بأعمدته الرّخاميّة البيضاء المعرّقة بألوانٍ مختلفة. طرازُ الكنيسة بازيليكيٌّ وهو أقدم أنواع أبنية الكنائس ويعود إلى القرنِ الثّاني الميلاديّ وهو أيضا أبسط الأنواع إذ يقسم صحنَ البناء إلى ثلاثة أقسام أكبرهما القسم الأوسط ويتساوى فيه الجناحان الجانبيّان اللذان ينفصلان عن الوسط بأعمدة حجريّة تتوّجها زخارفَ متنوّعة إغريقيّة ورومانيّة وترتفع فوق الأعمدة آيات الزّبور التي تدعوك إلى توبةٍ عميقة. المراوح التي تكسرُ من حدّة الحرارة المرتفعة وتنثرُ أنفاس البخور في الأرجاء، والنوافذ الزجاجيّة الشفّافة التي تتخلّل أرضَ الكنيسةِ وتحدّثك عن قصّة المعلّقة فوق نخيل مصر وأبراج الرّومان هرباً من غضب النّيل وثورته. والنّوافذُ الخشبيّة التي ترتفعُ هنا وهناك فتزهو بجمالِ طرازها وزخرفتها العثمانيّة وريثة التلاقي بين الإسلامِ والغرب! فأمّا المقاعدُ العريضة المعلَّمة بصلبانٍ مربّعة فدليلُ تقليدٍ شرقيّ أثيل.
.
بعدَ ذلك حملتُ بعضي وغادرتُ أصحابَ البيتِ لألتقي بالغرباء في كنيسة مار جرجس لليونان الأورثوذكس وهؤلاء كانوا يُعدّون من أكبر الجاليات المسيحيّة بعدَ الأقباط. كنيستُهم مميّزة بدائريّتها وأيقونستازِها وكراسيها الممتدّة في باطن دائرتها لتلتفَّ وتحيط بالمصلّين من كلِّ جانبٍ وجهة. خرجتُ على عجلٍ وعرّجتُ على مقبرتهم التي تزيّنها قبور الصّامتين. هذا هو المكان الوحيدُ الذي يتساوى فيه الأغنياء والفقراء، الملوك والخدّام، الأحرار والعبيد. هؤلاء هم الذين يصمتون فلا يجيبون لا مديحاً ولا شكراً ولا حتّى تعنيفاً أو رذلاً، هذه هي مدينة الموت الأخيرة!
.
بعدَ الموتِ والقبور دخلتُ مكاناً فيه بئرٌ عذبة يُقالُ إنَّ العائلة المقدّسة، أي يوسف ومريم ويسوع، شربوا منه عندَ مرورِهم في هذا المكان بعدَ هربهم من بطش هيرودس. ومنه خرجتُ إلى الشّارع واجتزتُ في طريقٍ ضيّقٍ امتلأت جدرانُه بالكتبِ والصّور من مختلف اللغات وفي نهايته كانت بانتظاري كنيسة الشهيدين سرجيس وباخوس المعروفة بأبي سرجه! ويجمعُ التقليد على أنَّ هذه الكنيسة مقامة فوق المحلّ الذي أقامت فيه العائلة المقدّسة في مصر.
.
ومن المسيحيّة إلى اليهوديّة حيث معبد بن عزرا. عندَ الباب لافتةٌ مكتوبٌ عليها "ملك الطائفة اليهوديّة بالقاهرة" ونجمة داود السداسيّة تزيّن الجدار الآخر... أهلاً بك بين يهود مصر!
.
أخبرتِني تلك السيّدة الجالسة أمام طاولة البيع أنَّ اليهودَ المصريّين يبلغ عددهم أربعاً وستين ومعابدهم سبعة عشر. هنا عالَمُ العبريّة والشّعب المختار وجماعات الشّتات. في وسط الكنيست يرتفع منبراً يعلوه مدرج من الكتب المقدّسة ملفوفٌ على شكلِ الكتبِ القديمة... واللغة العبريّة تعجّ في المكان، ونافذة الزّجاج الملوّن ترتفعُ في أعلى الحائط الشرقيّ يميّز النّاظرُ إليها أربعة حروف عبريّة: الياء والهاء والواو والهاء مشكّلةً كلمة "يهوه"، أقدس أسماء اللهِ عندَ اليهود، وهي كلمة تعودُ إلى المضارع من فعل الكون والصّيرورة. عند مقدّمة المنبر ينتصبُ شمعدانٌ برؤوسه السّبعة وهو رمزٌ لذاك الذي كان منصوباً في الهيكل قرب تابوت العهد، فأمّا كثرة الرؤوس فهي ليبقى النورُ يطردُ الظلامَ الذي قد يقعُ على قدس الأقداس حيث التابوت حافظ الوصايا وعصا هارون!
.
لملمتُ ما تناثرَ منّي وحملتُها في طريق العودة حتّى المنزل...
.
سألتُ صديقي الذي أُلازمه مسكنه عن الغداء فقال لي: "كُشَري"، ستأكل اليومَ طعاماً لذيذاً وستدعو لي من بعدها. خرجَ على أثرها وعادَ بعد قليل حاملاً الكشري الموعود وبضعة أقراص من الطعميّة وعلبتين من اللبن الزّبادي. نزلتُ إلى الميدان بكامل لباسي العسكريّ فمزّقتُ الصّحون والأقداح وجعلتُ منها عبرة لمن اعتبر! محبّتي للكتبِ والمكتبات نظّمت لي برنامج الظّهيرة، فبعد استراحةٍ قصيرة خرجتُ بصحبة الصّديق لقضاءِ حاجتي من الكتبِ وأصحابِها. أخذنا سيّارة أجرة وسألتُه أن يوصلنا إلى شارع طلعت حرب، وعندما بلغنا تمثالَه أوقفتُه ودفعتُ له ونزلنا. على الرّصيف اليمينيّ ارتفعت لافتة المكتبة بخجلٍ "مدبولي". كانت مكتبةً صخمة فعلاً فيها من الكتبِ ما لذَّ وطابَ، وتذكّرتُ أبا عثمان الجاحظ الذي كان يكتري دكاكين الورّاقين للقراءة فيها في أثناء الليل وهجعاته الطوال... وقلتُ ما أسعدك يا ابن بحر فليلةٌ مع كتاب أثمن عندك من ليالي العاشقين، فكيف تكونُ إذاً ليلتُك بين المئات منها؟! ارتفعت الكتبُ حتّى سقف المكان وفي الأعلى اصطفّت المجموعات العربيّة والإسلاميّة والموسوعات الضّخمة، وفي القسم الأسفل منها ترتّبت كتبُ الآداب والتاريخ والسياسة، وفي غرفةٍ أخرى احتشدت كتبُ اللغات الأخرى ومعاجمها وقواعدها بالإضافة إلى جمٍّ من روايات الأدب العالميّ المنقولة إلى العربيّة. نظرتُ يميناً ويساراً فاقتربَ أحدُ الباعة منّي متسائلاً، وقبل أن يقولَ شيئاً بادرتُه: "دوستويفسكي... الإخوة كارامازوف"؟! فأجابَ: لحظة من فضلك وهرع إلى تلك الغرفة. عادَ ليخبرني بأنَّه عثرَ فقط على أعمال هذا الأديب الروسيّ كاملةً في مجموعةٍ واحدة، شكرتُه وسحبتُ صديقي خارجاً قبل أن تأسرَني الكتبُ فأفرغُ محفظتي انتقاماً من هذا العشق القاتل.
.
خرجتُ أجرُّ رفيقي لاعناً هذا الهوى، فطالعتنا الأقدارُ بمكتبةٍ أخرى انتصبت على رصيفٍ آخر في مواجهتنا تماماً، فعلت وجهي الابتسامةُ، والحسرةُ وجهَ صديقي. دخلنا مكتبة "الشّروق" وخابَ رجائي من جديد، فلعنتُ الرّغبة والحسرة معاً، وانقلبت الأدوارُ فعلتِ الابتسامة لا بل الضّحكة وجه الصّديق! شزراً نظرتُ إليه فسكتَ، ومن فرط غضبي قلتُ له سأتركُ البحثَ إلى يومٍ آخر أكون فيه وحيداً، فهدّأ أحوالي وقال: كنتُ أمازحك يا رجل ما بك؟! قلتُ: اعذرني فمجرّد الدّخول إلى عالم الكتبِ والعودة صفر اليدين يملؤك من الغيظ، وعقّبتُ: تعالَ معي سأريك شيئاً، وسرتُ به عائدين في شارع طلعت حرب حتّى وصلنا المرمى فأوقفتُه وقلتُ: انظر هذه العمارة. وقفَ ينظرُ إليها ثمَّ إليَّ ورفع يديه باندهاشٍ وسألَ: "إي... وبعدين؟! شو فيا يعني؟". غيظي بلغَ وقلتُ: آه، يا... هذه "عمارة يعقوبيان". وشرعتُ أقصُّ عليه حكايتها منذ نشأتها وحتّى اليوم: هذه العمارة أُسّست في الثلاثينات من القرن العشرين على يد الثريّ الأرمنيّ جاكوب يعقوبيان، وبعدَ الثّورة في مطلع الخمسينات تحوّلت إلى شقق سكنها الضبّاط. سمعتُ عنها بعدَ أن ألّف طبيبُ أسنان مصريّ يُدعى علاء الأسواني روايةً تدورُ أحداثُها في هذه العمارة وشخصيّاتها المختلفة مجسّدةً في صغرها المجتمع المصريّ الواسع. ومثّلَ عادل إمام دورَ البطل الرّجل زير النّساء في الفيلم الذي أخرجه مروان حامد. نظرتُ إليه بعد هذا العرض السّريع فوجدتُه غير مهتمّ لا بل متعجّباً من اهتماماتي التّافهة هذه!!! رأى الحزنَ يطبعني فقال لي: سنذهبُ إلى مكانٍ يروق لي ولك معاً "سيتي ستارز" ها ما رأيك؟! قلتُ: حسناً!
.
دخلنا هذا المركز التجاريّ العملاق وسارعنا إلى سوقِه حيث المؤونة والغذاء، وحملنا معنا ما يكفينا أسبوعاً وكانَ بينها باذنجان أبيض أراه لأوّل مرّة أخذناه لنصنعَ منه مع الكوسا والبندورة والفليفلة طعاماً نسمّيه "دولما" وهو "المحشيّ" عند البعض الآخر. بعدَ جولةٍ أخرى من التسوّق في هذا "المول" جلسنا في أحد مقاهيه وطلبتُ كأساً من الشوكولا المثلّجة، بينما اشتهى صديقي كأساً من الشّاي.
.
عُدنا إلى البيت واقتصر العشاءُ على بقايا الغداء وملحقات الصّفرة الأخرى.

هناك تعليقان (2):

gabriel يقول...

اخي العزيز سيمون
كالعادة يومياتك ولغة سردك القريبة من القلب والبعيدة عن التصنع استطاعت حملي لاسكن ظلّك وارافقك في يومك ذاك
وكعادتي سأثقلك ببعض الاسئلة التي اثارها عقلي ، في حديثك عن ارتفاع البيما ثلاثة امتار عن مستوى الارض ، اردفت المعلومة بانها " تقليدٌ عريقٌ في القِدم " فهل هو تقليد كنسي قديم تختص به الكنائس المصرية على وجه الخصوص ؟ ام انه تقليد كنسي منتشر في جميع انحاء العالم
وفي كلتا الحالتين ... لكل تقليد غاية او فكرة يراد منه التعبير عنها ، فما هية غاية ارتفاع المنبر على الارض للمسافة تلك ؟!
كلمة " وأيقونستازِها " يراد بها الاشارة إلى الحاجز الخسبي المرصع بالايقونات والمشاهد الدينية ، والذي يعمل على الفصل بين الافخارستيا ومجسم الكنسية داخل كنائس الروم ؟

في النهاية :
عند تناقل الاخبار والاحداث بين اصدقائي واقربائي في بلاد المهجر .. اطالب دائما من باب الحاجة بارداف الصور إلى المعلومات المرسلة ... لكنك خارج عن نطاق القاعدة تلك ، فكلماتك المعبرة ووصفك الدقيق والممييز يجعلني ارفض وجود صورة ... فخيالي يستمتع بتجسيد وصفك واضافة الوانه المفضلة على الاماكن الموصوفة ... الشيء الذي يجعلها اجمل من ان اراها امامي مصورة او مجسدة .

سلامي عليك ... اخي البعيد

سيمون جرجي يقول...

عزيزي جَبرييل
أهلاً بك في بيتك وبين جمهورِك، فأنتَ وما تحملهُ من أفكار وأسئلة على الرّحب والسّعة في كلّ آن ومكان!
"البيما" أو المنبر كما تريدُه الترجمات العربيّة، هو تقليدٌ أخذته المسيحيّة عن اليهوديّة، وعن تلك أخذه الإسلام! دخل التقاليد الكنسيّة أوّلاً في المناطق الخاضعة لأنطاكيا، وبه تفرّدتْ كنيسة أنطاكيا السريانيّة، ومنها انتقلَ إلى بقيّة الكنائس، كالقبطيّة واللاتينيّة... إلخ. أنتَ تعلم أنَّ مجامع اليهود لم تكن إلا للصّلاة وقراءة الكتاب والتعليم (الوعظ)، فأمّا الذّبيحة فكانت تقام فقط في هيكل أورشليم. ومن أجلِ شرح الكتاب عند اليهود احتاجوا إلى منبرٍ خاصّ يقوم فيه الشّارح أو القارئ، منه يستطيع جميع من في المجمع أن يروه ويسمعوا صوتَه، وفي الكنائس في بدء الأمر كانَ هكذا، ولهذا يُرى البيما منصوباً خارج قدس الأقداس (المذبح) في بداية صحن الهيكلِ أو في وسطه مرتفعاً ليراه الجميع ويسمعون صوتَ الواعظ بوضوح! أرجو أن يكونَ شرحي هذا كافياً!
فأمّا عن "الإيقونستاز" فقد أصبتَ، فهو بابُ القدسِ الفاصل بينه وبين صحن الكنيسة.
وأخيراً أشكرُك أنا أيضاً على ما جئتَ به واصفاً كتابتي الفقيرة هذه، فأطربتَني وجعلتني أزهو كطاؤوس فتحَ ذيلَه مفتخراً بما يعجُّ به من ألوانٍ وجمال.
لكَ التحيّة.