الخميس، يناير 01، 2009

البائس... !

عليّ أن أكتبَ...
عليّ أن أرسمَ الصّفحات، أن أطعنَ الأقلام وأتركها تنزف على رصيفِ الأوراقِ والزّمن.
.
هكذا فكّر البائسُ وهو يُحدّق بجمودٍ وكآبة إلى طاولةٍ امتلأتْ بالأوراقِ وأشياءَ أخرى ما عاد يرى منها شيئاً!
.
حملَ القلمَ وكتبَ:
"أحتاجُ إلى منزلٍ بعيدٍ، بعيدٍ جداً، يختفي بين أشجار النسيان، في قلبِ جزيرةٍ مهجورةٍ مجهولة... فيه مكتبتي وأشيائي العتيقة وما تبقّى لي من رفات الوجود... فيه مدفأة صغيرة تحرق حطبات جامدة صلبة... ".
.
توقّفَ قليلاً ونهضَ وغادرَ الطّاولة الخشبيّة، ثمَّ عادَ حاملاً كوباً من الشّاي وأمسكَ القلمَ وكتبَ من جديد:
"أُريدُ أن أكونَ مثلَ تلك الحطبة المتّقدة، حطبة تحيا قليلاً، ولا ترى من الوجود والحياة إلا القليل القليل... تأكلها النيرانُ وتترك عظامها رماداً لا يستحقّ إلا أن يُترك في مهبّ الرّيح".
.
نخزته الذّاكرة فهبّ متذكّراً المكان وقال في نفسِه: يا لغبائي! ما الذي دفعني إلى أن أكونَ هُنا اليوم... ؟
في مدينة الأدرياتيك والفلاحين الأثرياء يأكلون الـ"بيادينا" ويحسبونها لحماً وهم في فقرِ ذاتهم يعمهون.
برغم كلّ شيء... وبرغم الأثقال والأحمال والكآبة والأحزان ابتسمَ متذكّراً شوايا بلدته المغبرّة الحارّة.
.
غابت الابتسامة في أفقِ الواقع وتساءَل: متى سأعود؟
لا أعلم! ولا أعلم متى ستكون عودتي الأبديّة!
وإلى أين؟ تساءَل من جديد.
لا أعلم أيضاً!
ماذا تعلم إذاً أيّها الأبله؟ هكذا وبّخ نفسَه مشمئزاً.
أعلم شيئاً واحداً فقط هو أنني أنتظرُ عودةً ما.
سخرَ من نفسِه وقال: أمثل مسيحيّ ينتظرُ مشتاقاً عودة إلهه الموعودة فوق غمام السّحاب؟
أمثله يقوده الإيمان نحو انتظارٍ محمّل برجاءٍ واسع ومحبّة لا تنتهي؟
لا، فعودتي لا ترجو... ليست إلا انتظاراً يائساً لا يخبو أبداً، كمدفأة عجوزٍ تشتعل دوماً وتصرخ في وجه الشّتاء: لا تنتهِ!

هناك 6 تعليقات:

Sam يقول...

ملعونة هي الغربة يا صديقي
...............
قدرتك على ايصال شعورك بالكلمات مذهلة
اتمنى لك التوفيق والعودة سالما لارضك الأم

سيمون جرجي يقول...

عزيزي سام
سلامٌ عليكَ وبعد،
الغربة تستنفذُ ما فيكَ من قدرات وطاقات، تصرفها أحياناً في دموع الشّوق والحنين، وفي آلام الوحدة والعزلة. كلُّ ما حولك غريبٌ في أرضٍ غريبة ولغة غريبة. لي عودة قريبة إن شاءَ الإله!
أشكرُك أخيراً على تلك الكلمات اللطيفة التي مدحتْ فيَّ القدرة على الكتابة.
لكَ منّي السّلام والود.

Malik noor يقول...

كلامك عميق يعبر عن خبرة وجودية مليئة بتناقضات الواقع المعاش وتساؤلات الحياة الوجودية.تابع كتاباتك يا صديقي فأنت صدى لحياةنعيشها.......

سيمون جرجي يقول...

عزيزي مالك
أسعدني جدّاً مرورُك بين كلماتي، وأبهجتْني متابعتُك لي!
وما الكتابةُ إلا بوحَ النّفسِ بما يخشى بوحه الجسد... وأنتَ أكثر من يُدركُ ذلك.
لنكن بشراً كما نحنُ، ولنكسرْ كلَّ قيدٍ لفّه التقليدُ حول معاصمنا، ولنحلّق كما نشاء في سماء الله.
لكَ منّي أطيب السّلام وأصفى آيات الحبّ.

jerji يقول...

من قال لك أني لست حزين..
من قال لك أني لست كاليتيم..
من قال لك أني لم ولن أبكي..
ألأن الابتسامة مرسومة على شفتي؟؟!
فلا تغرك المظاهر، فإن قلبي الحجري قد تفتت، أصبحت ضعيفاً الآن، أصبحت وحيداً ضائعاً..
صدقني.. في حلقي غصة.. غصة ستدوم أبداً.. فلا تغرك المظاهر يا صديق

غذراً على الأخطاءالغوية والنحوية والإملائية، وأنت تعلم بأنها المرة الأولى التي أساهم في مشاركة ما، واسمح لي أن أكتب سطرين باللغة العامية:
اعذرني أنا بالشعر مش شاطر كتير..
بس هايدا لي طلع معي ومن دون تفكير..
يمكن بيوم صير شاعر.. بس هلا بعد بكير

سيمون جرجي يقول...

ابتسامتُك يا صديقي جرجي تبدّد كلَّ حزنٍ من قلبِك مهما ثقلُ أثرُه فيك... لا بل تجعلُ منه مادّةً تنقلُ عبرَها فرحَك إلى كلّ من حولِك.
ليس من بشرٍ دون حزنٍ، وليس من قلبٍ دون غصّة، لكن دعْ النصرَ يكون حليفَ ابتساماتك وأفراحك في عالمٍ قلّت فيه السّعادة.
فأمّا عن شعرِك في سطورك الأخيرة فقد أطربني، وقليلٌ من الجهد قد ينفع في صقل ما لديك... تشجّع!
لكَ مني وردٌ بقدرِ الأفراح التي تسكبها في محيطك... عُد إلى زيارتي من جديد، بانتظارك.