الخميس، ديسمبر 25، 2008

امرأةٌ ورحيل!

الجُمعة 10 حزيران 2005 (أمستردام)
.
اضطرابي قبل السّفر له مذاقٌ متميّز! يلهبُ قلبي بنيرانِ المعرفة والتجربة المجهولة، فأبقى أحدّقُ بعينين لا تريان شيئاً ممـّا هو آت. كنتُ على موعدٍ هذا المساء مع رحلةٍ تمتدُّ بين روما والعاصمة الهولنديّة على متنِ طائرةٍ من أسطول KLM. بعدَ الغداء زارني أحدُ الأصدقاء ومضى يشكي لي ويبعثُ بهمومِه المطويّة ولواعج قلبِه الكسير في غربةٍ لا شيء يفكّ قيودها سوى الصّبر والاحتمال! حدّثني عن رغبته في زيارة أهلِه وبلدِه إلا أنَّ فقرَ الحال يمنعه عن هذا الحنين.
.
في الرّابعة والنّصف عصراً غادرتُ المنزلَ وعبر الحافلة فمترو الأنفاق فالمحطّة الرئيسيّة تيرميني في روما فالقطار بلغتُ مطار ليوناردو دا فينتشي الدّوليّ. ومن هناك حملتنا ذاتُ الجناحين في الثّامنة لتحلّقَ في جوٍّ مليءٍ بالسّحبِ والآمال!
.
بعدَ ساعةٍ برزتْ من الأرضِ جبالُ الألبِ بشموخِها وأنفتها، ترتدي ثلوجَ الوداع، وترتفعُ رؤوسُها إلى ما فوق الغيوم متوَّجةً بالأبيض وكأنّها ترفضُ استقبالَ الصّيفِ وتعلنُ عن أمدِ الشّتاء الطّويل.
.
كم كانَ مشهداً يأسرُ الألبابَ والأبصار، وما كنتُ أحسبني أحيا لتلقى عينايَ جمالاً يسبحُ بين السُّحبِ ويُحدّثُ بمجدِ الخالقِ وآثارِ ريشته فوق الثّرى. وبعدَ قليلٍ واجهتنا الشّمسُ محمرّةً من شدّة النّعاس، تريد أن تشيح بوجهها لتضعَه على وسادة الغروب. كانت المرّة الأولى في حياتي أن أرى شمساً عندَ المساء! كم تحملُ لنا الحياةُ من أشياء وأشياء!
. بجانبي جلستْ امرأةٌ جميلةٌ يختلطُ حسنَها بين الشّرقِ والغرب، وطوال الرّحلة مكثنا صامتَين، يغيبُ كلٌّ منّا في أفكارِه وأحلام يقظته، ولا يرضى أن يكسرَ الصّمتَ أو يطأ عتبةَ الآخر بكلمةٍ أو حرفٍ صغير!
.
كنتُ حينها أعبثُ بدفتري هذا وأخطّ فيه سطوراً، آنَ لها اليومَ أن ترى النّورَ، وأقلّب أوراقي وقصاصاتي، ومن بينها جواز سفري الذي يتربّع في وسطِه نسرٌ ذهبيٌّ يقول: "هنا سورية". ما أن لمحته تلك السيّدة حتّى ابتسمت والتفتت إليّ وقالت: أنتَ إذاً تتكلّمُ العربيّة! فقلتُ: نعم... أنا من سورية. وأنتِ؟ قالتْ: والدي حلبيٌّ سوريّ ووالدتي هولنديّة، وأنا متزوّجة من سعوديٍّ ولي منه طفلان.
.
أخذنا الحديثُ فأكلَ بقيّة وقت الرّحلة وعلمتُ منها أنّها تقيمُ مع زوجها وطفليها في الإمارات لأنَّها اشترطتْ قبلَ الزواج أن تعمّدَ أولادها ووافقَ السعوديُّ محبّةً فيها، ولهذا، كما أخبرتني، صعبٌ عليهما أن يبقيا في المملكة. يا لهذه المفارقات... !!!
.
قالتْ لي: إنَّ أخاها سوفَ يأتي لاصطحابِها إلى بلدةٍ قريبة من العاصمة حيث مسكنه، والوقتُ متأخّر، وإنْ أحببتُ مكثتُ عندَهم هذه الليلة، وفي الصّباح ذهبتُ إلى عملي وشؤوني! اعتذرتُ بأدبٍ وشكرتُها كثيراً وأخبرتُها أنّي راحلٌ إلى بلدةٍ تبعدُ ثلاث ساعات عن أمستردام ومن المفضَّل أن أسافرَ على الفور. وبعدَ هبوطِ الطّائرة وقفتُ أنتظرُ حقيبتي بينما رحلتْ!
.
ومن بعيد ومن خلف الزّجاج الفاصل بين قاعة استلام الحقائب والتفتيش وبين قاعة المسافرين لمحتُها تلوّح بذراعَيها وفي كفّها بطاقةٌ صفراء. اقتربتُ منها فأعطتني تذكرةً للقطار الذي سيحملني إلى تلك البلدة وأخبرتني عن الموعد وكيفَ الوصول إلى المكان! تلك اللحظات أغلقتْ عليَّ الكلماتُ الأبوابَ وأوصدتْ فمي فتركتُ عينيَّ يشكرانها وهذه الطّيبة والسّخاء اللذين أغدقتهما عليّ دون منّةٍ أو حساب! من تحت الزّجاج وعبر الشقّ الصّغير أعطيتها الثّمنَ وعدتُ لأحملَ حقيبتي وأسافر من جديد إلى بلدةٍ لا أعرفُ شيئاً عنها ومنها إلا اسمَها ومحلّها!

هناك 12 تعليقًا:

Sam يقول...

جميل كلامك ولطيفة كلماتك

ميلاد مجيد سيمون

سيمون جرجي يقول...

أشكرُ متابعتَك المُشجِّعَة.
ولك أيضاً يا عزيزي سام أحلى التهاني والأماني في هذا الميلاد والعام الجديد.

غير معرف يقول...

كيف لك أن تعتني بكل هذه التفاصيل! يا لجمال نسجك، لم أكن أعلم أن الكلمات تسافر بنا أيضًا.

سيمون جرجي يقول...

تعلّمتُ أن أنسجَ كلَّ تفصيلٍ ولون على يدي الحياة بكلّ ما فيها من قسوةٍ ولين، وحزن وفرح، ويأس ورجاء... آمل أن أكون قد وُفّقتُ في هذه الصّناعة!
وأنتَ يا كلمةً بلا اسم، من أعطاكَ أن تكون بهذه الفصاحة، وأن تُقلل فتدلّ؟! لكَ منّي أطيبُ الأطياب في تحيّة.

إبريل يقول...

وهبها الذي جاءَ بي إلى العربية، إذ ذاك نسيتُ اسمي...

سيمون جرجي يقول...

هل تصدّقين يا عزيزة قلبي إبريل أنّي تذكّرتُكِ -والذكرى نافعة في مثل هذه الحال- حالما وجدتُ التنوينَ على حرفِ الضّاد في "أيضًا" لا على الألف؟!
وذكّرني هذا بما فعلتُ في صفحة عيدِ ميلادِك، وكيفَ أحلتُ العيدَ إلى جدلٍ لغويٍّ كنتِ فيه فارسة الفرسان بلا منازع!
أنتِ لا تعلمين أنّي غالب الأحيان أحبّ أن أخلق في رفاقي وأحبابي روحَ القتال، فبدون أخذٍ وردٍّ لا منفعة تُجنى!
ولهذا حاولتُ أن أدعكِ تُعملين الفكرَ، حتّى وإن كنتِ تعرفين، في مسألةٍ صغيرة من المسائل الكثيرة التي تعجّ بها لغتنا المحبوبة... كم أشتهي أن أفعلَ ذلك، لكنّ المدعوّين قليلون!
أنتِ واحدة من ندماء وليمتي، فدعيني أكون نديمك يوماً!

وبرغم التنوين واللغة الرشيقة، إلا أنّني قلتُ في نفسي، وما الذي أوصلَ إبريل إلى هذا المكان؟! ألعلّها استطاعت أن تقرأ السّطرَ الصّغير في توقيعي؟! فكّرتُ فيه، لكنّي لم أتوقّع حقيقته...
لكِ منّي مودّة أفنانها مورقة فمزهرة ومثمرة.

إبريــل يقول...

هل تعلمُ أنّ التنوينَ كان لتلك الغايةِ فقط، لم أشك بقدرتكَ على التّذكر لذا تناسيت الاسم، وأخبرَ التنوين بي.

ما أجملَه من عيد!
حين أشعلتَ شموعَ الفكرِ والتفكير وعمدتَ إلى إبقاءه على صلةٍ بالمغزي الحقيقي من انقضاءِ سنةٍ كاملة.

لستَ تعلمُ مقدارَ فرحي بعثوري على هذه الصفحات، إنها حلوى عقليةٌ لا تضاهى.

دم طيّبًا.

سيمون جرجي يقول...

أشكرُك على مشاعرك النّبيلة، وعلمتُ أنّكِ علمتِ بزيارتي مدوّنتكِ التي أرجو لها النموّ والازدهار... ولهذا فسأكونُ بانتظارِك هنا وهناك، وانتظارِ كلّ جديد تضعين!
مودّتي.

غير معرف يقول...

عندمـــا تخفق الكلمة فتغدو وجيب روحٍ لا تهدأ فيها لعناتها ونتسمر بانتظارِ رحيل له شهوة المعرفة,,,رحيلٍ يغمر ما تبقى منّـا فيذكرنا أننا ما زلنا هنــا وهنــاكـ ولكننا بانتظار موعد مع أرواحنا التي لا تعرف السكنى,,,

لكـ ودي واشتياقي

وشم الجمال يقول...

عندمـــا تستبيح الكلــمة حدود الروح فتخترق بلعناتها جسدا لا يعرف عن الحياة أكثر من سجنه,,,نتورط في البحث عن شئ ما ,,,قد يشبه شهوة الأجنحة,,,وقد يشبه بقايانا التي انسلخنا عنها في محاولة بائسة لنكون جزءً من كل لا يرحم,,,

في خضم كل ما سبق التقيتكـ والتقيتها وكأنكمــا كنتما منذ بدء الأزل احتمال فرح بلقاء لا يجيئ,,,

اشتقتكـ وودي الكبير لكـ

سيمون جرجي يقول...

أظنّك يا صديقتي وشم صاحبة التعليق الأوّل الباقي بلا اسم أو عنوان!
سلامٌ على روحك الطاهرة الطيّبة وبعد...
لستُ أعلم إن كنتُ أستطيع كتابة شيء، ولو كلمة جواب! فروح الكتابة أزهقتها لواعج الأسرِ في عالمٍ كلّ ما فيه قضبان وأسلاك.
وهي ذي صفحات المدوّنة مهجورة منذ زمنٍ، نسيها صاحبها أو تناساها ألماً... فلمَ قرعتِ ذاك الباب الموصد المغبرّ منذ حين؟! ألعلّك شئت أن توقظي فيه ما استكانَ ونامَ على فراش القحطِ في زمن الآثام؟ أم ترى ذاك الشّوق العنيد استبدّ بك فصحتِ تبحثين عنّي هنا وهناك؟!
قليلون أولئك الذين يعبرون في حيوات النّاس ويتركون أثراً، أمّا أنتِ فقد تركتِ أكثر من الأثر، قد يكون ختماً أو طابعاً لا تقوى عليه عواصف النسيان وشغب الأيّام الطوال!
إن كانت الرّوح فيكِ لا تعرفُ السّكنى فهي فيّ شبه ميتة، وأنا الآن أحيا بجسدٍ خالٍ كقصور الأعراب في الأندلس، أبنية زمخرفة جميلة الهندسة لا سكّان فيها.
فأمّا الرّحيل فهو قضائي المحتوم مذ كُتبَ لي اسمٌ في سفر الحياة.

مشتاقٌ إليكِ وإلى بسماتك الحزينة وإلى أفراحك الآتية كزهرة نيسان الباسمة المغرّدة فوق شجرة عارية.
مشتاقٌ إلى وشم ذات القلم المخضّب بحبر المشاعر والأحاسيس، ذات الأشعار السّابحة مع آلهة الإغريق في فضاءٍ لا يُحدّ، وعبر أجسادٍ لا تفنى.

وشم الجمال يقول...

هل أنــت أنت؟؟
إذن دعنــي أعود لأتساءل من أنت في زحمة كل هذا الانسحاب المر المرير!!!

هل تتذكرني جيدا؟هل تذكر الأغلال التي كنت مصفدة بها وأنت تنظر إليّ أن لا تنسحبي من حياتكـ التي ما خلقت إلا لأجلكـ؟
هل تذكر كم على الإنسان أن يتحمل من الميتات المتكررة كي يستطيع الوقوف بشرف,,,كي يستطيع الابتسام قبل أن يغادر هذه الظلمات المقدورة علينا منذ الأزل,,,
أنت الآن تهرب من النور الذي أوجعكـ بلا رحمة
تهرب من حريتكـ التي استنزفتك حتى الرمق الأخير,,,

أتعلم يا صديقي الذي لا يغادرني,,,صفحاتك لا تغبر أبداً فلو اغبرت لما اكترثت لها لو اغبرت لما وجدت أناساً يتكلمو عنها وعن قلمكـ الغارق في وجوده الذي لا غنى عنه ...

سراب يا سيمون تبحث عنكـ لأنها ترفض لكـ الاختفاء
رحيلك ما كان يوما إلا بهدف أن تجد نفسكـ أكثر أما الآن فأنت متعب من وجودكـ وأنا لن أسمح لكـ أن تنام بهذه القسوة,,,

أنا راقصتكـ يوماً
مشيت معكـ على الماء
ورحلنا سوياً

أنت لا تعرف ولكنكـ تدركـ أني لا أسمح لأرضكـ أن تهجرنا لأنكـ منا,,,,

لن أسألك أتذكر لأنكـ لا تنسى
لن أدعكـ تحاول أن تسمع وجيب فؤادكـ لأن طبوله لا تملّ ولن تهدأ

روحكـ تمارس الصراخ الصامت
وأنا أسمع هديرها وبكاءها,,,

دعنا نمارس الحياة ولو كذباً
دعنا نبتسم ولو وجعاً
دعنا نرقص ولو ذبحاً


وشم تشتاقكـ فلا تطل الغياب
وشم ستبقى تنتظر هطولكـ التي تثق أنه لن ينتهي أبد الدهر...

كن أنت بي