الأربعاء، نوفمبر 05، 2008

الحُلم!

الأربعاء 28 أيّار 2003 (جبل لبنان)
.
ها قدْ بلغَ هذا الشّهرُ أيضاً قبرَه، تنقصُه ثلاث ساعات! ما زلتُ في مكاني وفي تلك الغرفةِ الصّغيرة في رحبِ منزلٍ أقتربُ بخوفٍ وترقّب من الامتحانات الجامعيّة الأخيرة... ستكون الأخيرة أليسَ كذلك؟ تساءَلَ. قَدْ لا تكون، أجابَ! وبين هذا وذاكَ قمتُ نافضاً نفسي وراكلاً حالي، خطوتُ نحوَ البابِ... غبتُ قليلاً وعُدتُ بعد أن أعددتُ كأساً من الشّاي الثّقيل على الطّريقة العراقيّة الرّيفيّة. فتحتُ دفاترَ ذاكرتي وتذكّرتُ حلمَ البارحة...
.
كانت روحي تهيمُ بين الأوجاعِ، وكآبةٌ لا نبعَ لها تحلّقُ فوقها وتحاولُ عبثاً أن تبتني لها عشّاً فوق ذراها، بينما هجعَ الصّمتُ في خلوته وراح يجلدُها بسكينته. طالتْ وامتدّت فعانقت الأوجَ وما كنتُ أعلمُ في الحقيقة إن كانت روحي تلكَ ترغبُ في تسلّقِ السَّماءَ سعياً نحو إكليلِ النّهاية!
.
أحداثٌ أخرى وقعتْ هناكَ حيث لا رغبة ولا إرادة، هناك في الحلم... نزلتُ فيه إلى مثوى الأمواتِ حيث البكاء وصريف الأسنانِ، لأرى وجوه الموتى وأجسادهم البالية، وأيّ رؤية! كانَ الدّرجُ حجرياً ملتفّاً معلّقاً في الظّلامِ يغرقُ في أغوارِه، وأنا أواصلُ السّيرَ منحدراً وأخيراً تحسّستُ الدرجة الأخيرة، حاولتُ أن أميّزَ بعدَها شيئاً، فكان ذلك عبثاً! تجرّأتُ على النّظرِ إلى الأسفل لتقع عيناي على عتمةٍ لم ألقَ لها مثيلاً سوداءَ تبلعُ الليلَ المهجور. اصطكّت الأسنانُ وارتعدت الفرائصُ حتّى أنَّ الدّودَ فيّ اهتزَّ طرباً فقد شارفَ مبغاه. كنتُ ملزماً عليه، عليّ أن أقفزَ في حضنِه، وفعلتُ مُغمَضَاً. كانَ كلُّ شيءٍ يتحوّلُ ويختلطُ، ينفعلُ ويصرخُ متألّماً، أين أنا؟ كنتُ في قلبِ الموت!!! ما عدتُ أقدرُ على التمييز فامتزجَ الضّحكُ بالبكاءِ وقهقهات المائتين تركضُ دامعةً، الأصواتُ والكلامُ والأجسادُ التي نزعت عنها بشرتها... كلّه وسط ظلامٍ لا يُدرَك... وقعتُ في مكاني والعرقُ يغمرني وأنفاسي تتقطّع، وجدتُ غرفتي كما كانت وفراشي يمتدُّ كفرسٍ حانية.
.
أقفلتُ ذاكرتي وختمتُها بالشّمعِ الأحمر وعُدتُ إلى نفسي أرتشفُ الشّايَ مستمعاً إلى أمَّ كلثومٍ تنشدُ: أمل حيـاتي يا حبّ غـالي مـا ينتـهيـش يا أحلى غنـوة سـمعها قلبي ولا تتنسـيش خـدْ عمري كلّه بس النّهار ده خلّيني أعيش خلّيني جنبك في حضنِ قلبك... وسيبني أحلم يا ريت زماني مـا يصحنيـش.

هناك 7 تعليقات:

syriangavroche يقول...

يومياتك, يا صديقي, قطعة أدبية رائعة جدا.. استمتعت بقراءتها في أخوية, و هذه فرصة جديدة.. لاعيد الاستمتاع..

لك تحيتي...

سيمون جرجي يقول...

عزيزي ياسين
هذه اليوميّات هي حفنة مما جنته يدايَ عبر هذا الزّمن، وهي انتقاء وتمييز لبعضٍ من الأحداث والأسفار.
مرورُك يُسعدني.
مودّتي.

جدل يقول...

أعلمُ أنني وحيدة الآن في هذه الغرفة وسأكون كذلك لمدة شهر على الأقل،سافرتُ لأكون وحيدة، لأختبر كابوساً كان يؤرقني...وها أنا ذا أعيش الكابوس بتفاصيله..في الخارج أصواتٌ تناديني، تغريني بالخروج إليها وأكتشافها، ولكنني أفضل الجلوس على السرير وأن أمسك كتاباً ما، وأشهق باكيةً مع وحدتي وكتابي والذكريات التي مرت كشريطٍ أخباري...
"كلماتك أيقظت مذكراتي ،التي أخذت في يومٍ ما، ما ترغب من فرحي ورحلت بين السطور وبقيتْ هناك معلقة في سديم الذاكرةِ..شكرا على كل شيء"
جدل

jerji يقول...

ايــــــه أيام... انت سماع ام كلتوم يا اخو الـــ... وانا منتا... لي نفضي بالحدث مع المهبولين (عرفت مين قصدي؟) ههههههههه...

سيمون جرجي يقول...

عزيزتي جدل
إنَّ الذّكرى في الواقع تحملُ إلينا شريطًا من الماضي، كما لو كانَ فيلمًا مررنا فيه، لكن كأبطال! وقد تكونُ الذّكرياتُ أليمةً، وقد تكون سعيدة، فلنختر السّعادة فهي هدفنا المنشود. لكِ مستقبلٌ من الكتابةِ باهر، فلا تضيّعيه بأحلام الماضي.

سيمون جرجي يقول...

عزيزي جرجي
هئ هئ هئ ها ها ها أنتَ شتّامٌ من الطّرازِ الأوّل، وإذا فعلتَ ذلك مرّةً أخرى سأقابلك بما فعلتُه في آخر زيارةٍ لي إلى روما، حين اعتنقتُ مبدأ "الحكوكة" حتّى الإفلاس، فصببتُ جام غضبي على الله.

jerji يقول...

هاهاها... مو القصد المسبّة سيمون بك وانت بتعرف نحن اخوة ولّي بيصيبك بيصيبني بس يعني للضرورة الشعرية (مو هيك يتفتوها؟؟!) ههههههههه...
بس وحياة ورئاتك بتتذكر بيوما بروما الترجي وبوس الايادي هاهاها... يحروء مكتيبك قديش ضحكتني... ميس يو مان...